بين نماذج أميركية مغلقة عالية الأداء ومنظومات صينية مفتوحة ورخيصة وسريعة الانتشار، يتعمّق السباق بين واشنطن وبكين على قيادة المستقبل التكنولوجي للعالم. ومع التحوّل المتزايد نحو الذكاء الاصطناعي كقوة ناعمة مؤثرة، يتحول الصراع من مجرد منافسة تقنية إلى معركة جيوسياسية على النفوذ العالمي.
الصدمة: الصين تطلق “R-1″ و”Kimi K2” وتربك واشنطن
في بداية عام 2025، أطلقت شركة DeepSeek الصينية نموذجها المفاجئ R-1، الذي وُصف بأنه “زلزال” في صناعة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أنه طُوّر رغم القيود الأميركية الصارمة على تصدير الشرائح المتطورة للصين.
بعدها بشهور فقط، أتبعت شركة Moonshot AI الإطلاق بنموذج Kimi K2، الأكثر قدرة على التعلّم الذاتي وأداء المهام المعقدة دون توجيه بشري مباشر.
هذه الإصدارات لم تُربك واشنطن بسبب الأداء فقط، بل بسبب طبيعتها المفتوحة منخفضة التكلفة التي جذبت ملايين المستخدمين، خصوصًا في الدول النامية.
-
في أبريل 2025، بلغ عدد مستخدمي DeepSeek نحو 97 مليون مستخدم.
-
أكثر من 500 نسخة مشتقة من R-1 انتشرت حول العالم، بأكثر من 2.5 مليون تنزيل في شهر واحد.
القوة الناعمة الصينية… ذكاء اصطناعي للعالم النامي
تعتمد بكين على نموذج بسيط:
🔹 نماذج مفتوحة
🔹 تكلفة شبه مجانية
🔹 سهولة التعديل والتخصيص
وهذه نقطة تفوق كبرى على النماذج الأميركية المغلقة مثل GPT وClaude.
بالنسبة للدول التي تواجه نقصًا في الموارد، مثل إفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية، فإن نماذج مثل R-1 أو Kimi K2 تفتح بابًا لتطوير تطبيقات محلية للزراعة والصحة والتعليم والبحث العلمي.
وهكذا، تحوّلت النماذج الصينية إلى أداة نفوذ سياسي تعزز ما يسمى “القوة الناعمة الرقمية” للصين.
الولايات المتحدة… قوة تقنية ولكن بنوافذ مغلقة
في المقابل، تركز الشركات الأميركية مثل OpenAI وGoogle على نماذج مغلقة تتطلب قوة حوسبة هائلة، وهي الأكثر تقدمًا عالميًا ولكن أيضًا الأغلى والأقل قابلية للتخصيص.
هذه السياسة كانت مدفوعة بهاجس الأمن القومي خشية تسرب التكنولوجيا إلى الصين. لكن هذا النهج جعل النماذج الأميركية:
-
أقل انتشارًا عالميًا
-
أقل مرونة للدول الفقيرة
-
وأكثر اعتمادًا على اشتراكات باهظة
حتى سام ألتمان اعترف بأن شركته أصبحت “في الجانب الخطأ من التاريخ”، قبل أن تعلن OpenAI نيتها إطلاق نموذج مفتوح المصدر صيف 2025.
لماذا تنتشر النماذج الصينية بسرعة؟
1. رخيصة ومفتوحة
يسمح فتح “الأوزان” لأي شركة أو مطوّر بإعادة تدريب النموذج لاحتياجاته.
2. متكيفة مع واقع الدول النامية
يمكن تدريب نموذج صحي على بيانات محلية، أو إعداد مساعد للمدارس في إفريقيا، أو بناء منصات حكومية منخفضة التكلفة.
3. تحالف مع البنية التحتية الرقمية الصينية
من “هواوي” إلى الكابلات البحرية، تُنشئ الصين بيئة متكاملة تجعل استخدام نماذجها أسهل من الأميركية.
4. ثقة أكبر في دول الجنوب
وفقًا لاستطلاعات 2024–2025:
-
الثقة في الذكاء الاصطناعي 77% في الهند،
-
مقابل 35–40% فقط في الولايات المتحدة،
ما يجعل العالم النامي أكثر تقبّلًا للمشاريع الصينية.
هل تحتوي النماذج الصينية دعاية سياسية؟
يخشى بعض المختصين الغربيين من أن نماذج الصين المفتوحة قد:
-
تخفي معلومات حساسة عن تاريخ الصين
-
أو تعيد صياغة أحداث سياسية
-
أو تمرر سرديات تتماشى مع توجهات الحزب الشيوعي
لكن رغم ذلك، الإقبال العالمي لا يزال في ارتفاع.
عودة أميركية متأخرة؟
مع صعود النماذج الصينية، بدأت الشركات الأميركية في إعادة التموضع:
-
OpenAI خفّضت أسعار o3 بنسبة 80%
-
Google أصدرت مجموعة Gemma المفتوحة
-
شركات أخرى أعادت النظر في تبنّي مصادر مفتوحة
لكن الصين تتحرك بسرعة، والنافذة الزمنية أمام واشنطن تضيق.
من الأقوى إذن؟
تقنيًا:
لا تزال الولايات المتحدة متفوقة في النماذج الأكثر تطورًا (GPT-5، Gemini-3، Claude-4).
انتشارًا وتأثيرًا دوليًا:
الصين تتقدم بقوة بفضل النماذج المفتوحة والرخيصة.
جيوسياسيًا:
الصراع لم يُحسم.
لكن الصين تكسب أرضًا حقيقية في الجنوب العالمي، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على تفوقها عبر المنع، لا عبر المشاركة.
خلاصة
السباق بين الذكاء الاصطناعي الصيني والأميركي لم يعد مسألة أداء فقط، بل هو صراع على النفوذ العالمي.
إذا واصلت الصين تقديم نماذج مفتوحة منخفضة التكلفة قابلة للانتشار، فقد تتبوأ موقع “مزوّد الذكاء الاصطناعي للعالم النامي”، وهو ما يشكل تحديًا حقيقيًا للهيمنة الأميركية المستمرة منذ عقود.
المصدر الجزيرة – فورين أفيرز
