تتجه الأزمة الإيرانية نحو مرحلة أكثر خطورة، مع تعهّد السلطة القضائية بإجراء محاكمات “سريعة” للموقوفين على خلفية الاحتجاجات المستمرة، وسط مخاوف متزايدة من تنفيذ أول حكم بالإعدام بحق متظاهرين، في خطوة من شأنها أن تشعل مواجهة مفتوحة بين طهران والمجتمع الدولي.
تصريحات رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، التي شدد فيها على ضرورة “التحرك السريع” ضد من تصفهم السلطات بالمشاركين في “أعمال شغب”، عكست تحوّلًا واضحًا في مقاربة النظام، من الاحتواء الأمني إلى الردع القضائي القاسي، في محاولة لكسر زخم الاحتجاجات التي اتسعت رقعتها جغرافيًا واجتماعيًا.
القضاء كأداة ردع سياسي
إصرار القضاء الإيراني على تسريع المحاكمات، مع الحديث عن علنيتها، يثير قلق المنظمات الحقوقية التي تحذر من غياب الضمانات القانونية، ومن اعتماد اعترافات انتُزعت تحت الضغط، خاصة في ظل اعتقال آلاف المتظاهرين. وتخشى هذه الجهات من تكرار سيناريوهات سابقة استخدمت فيها أحكام الإعدام كرسائل سياسية لإخماد الغضب الشعبي.
وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد منظمة “هرانا” الحقوقية ارتفاع عدد القتلى إلى أكثر من 2500 شخص، معظمهم من المتظاهرين، وهو رقم غير مسبوق يعزز الاتهامات الدولية بأن ما يجري في إيران يمثل واحدة من أعنف حملات القمع في تاريخها الحديث.
تصعيد خارجي وضغوط دولية
على الصعيد الدولي، فجّرت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ “إجراء قوي للغاية” في حال تنفيذ الإعدامات موجة توتر جديدة بين واشنطن وطهران. وردّت الأخيرة باتهام الولايات المتحدة بالبحث عن “ذريعة” لتدخل عسكري، محذّرة دول الجوار من استهداف قواعد أمريكية في المنطقة في حال وقوع أي هجوم.
وفي هذا السياق، أعلنت طهران تعليق التواصل المباشر مع واشنطن، ما يضع المسار الدبلوماسي، بما في ذلك المفاوضات النووية، في مهب الريح. في المقابل، عبّرت فرنسا عن قلق بالغ، معتبرة أن حملة القمع الحالية هي “الأكثر عنفًا” في تاريخ إيران المعاصر، فيما شددت الصين وروسيا على رفض أي تدخل خارجي، داعيتين إلى احتواء الأزمة.
الشارع الإيراني بين القمع والتعبئة
داخليًا، تسعى السلطات إلى إظهار تماسكها عبر تنظيم جنازات جماعية لعناصر الأمن الذين قُتلوا في الاحتجاجات، في محاولة لتعبئة الرأي العام وتبرير القبضة الأمنية. إلا أن استمرار قطع الإنترنت لليوم السابع على التوالي يعكس حجم القلق الرسمي من انتقال الصور والمعلومات، ويزيد من مخاوف وقوع انتهاكات واسعة بعيدًا عن الرقابة الدولية.
في المقابل، لا تزال الاحتجاجات تمثل تحديًا بنيويًا للنظام، إذ لم تعد مقتصرة على مطالب اقتصادية أو فئوية، بل باتت تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والسلطة.
تضع المحاكمات السريعة واحتمال تنفيذ أحكام الإعدام إيران أمام مفترق طرق حاسم: فإما نجاح السلطة في فرض الاستقرار بالقوة، أو انزلاق البلاد نحو تصعيد داخلي غير مسبوق، قد يتقاطع مع مواجهة إقليمية ودولية واسعة. وفي ظل غياب حلول سياسية، يبدو أن خيار “الأمن أولًا” يهيمن على حساب الحوار. المحرر ش ع
المصادر
-
وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)
-
وكالة رويترز
-
التلفزيون الرسمي الإيراني
-
منظمة هرانا لحقوق الإنسان
-
تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية
-
بيانات الأمم المتحدة
