غرينلاند تعود إلى واجهة الصراع الغربي: باريس تختبر تماسك الناتو في مواجهة طموحات ترامب

تدخل جزيرة غرينلاند، ذات الموقع الاستراتيجي الحساس في القطب الشمالي، مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والعسكري بين ضفتي الأطلسي، بعد إعلان باريس رغبتها في تنظيم مناورة عسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الإقليم الدنماركي، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع كمناكفة مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فطلب فرنسا إجراء مناورة رسمية تحت مظلة الناتو، مع استعدادها للمشاركة فيها، لا يحمل بعدًا عسكريًا فحسب، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن سيادة غرينلاند خط أحمر أوروبي، وأن أي محاولة لفرض أمر واقع أميركي ستُواجه بإطار جماعي متعدد الأطراف، لا بقرارات أحادية.

ويأتي هذا التحرك في سياق توتر متصاعد بين ترامب وعدد من العواصم الأوروبية، على خلفية إصراره المتكرر على ضم غرينلاند، مبررًا ذلك باعتبارات أمنية تتعلق بمواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي. غير أن هذا الطرح الأميركي قوبل برفض أوروبي واسع، خاصة من باريس وبرلين وكوبنهاغن، التي ترى في هذه التصريحات تهديدًا مباشرًا لقواعد النظام الدولي واحترام سيادة الدول.

وتكشف المناورات السابقة التي نظمتها الدنمارك بمشاركة دول أوروبية، ولكن خارج الإطار الرسمي للناتو وبدون الولايات المتحدة، عن انقسام داخل الحلف نفسه. فقد اعتبر ترامب تلك التحركات استفزازًا مباشرًا، ولوّح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على الدول المشاركة، ما نقل الخلاف من المجال الأمني إلى ساحة الاقتصاد والضغط التجاري.

أما نشر ترامب لرسائل نصية خاصة تلقاها من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني، فقد أضاف بعدًا شخصيًا للأزمة، مسلطًا الضوء على دبلوماسية الكواليس ومحاولات احتواء التصعيد. ورغم تأكيد الإليزيه صحة الرسائل، فإن باريس شددت على أن موقفها العلني ينسجم مع مضمون الاتصالات الخاصة، في إشارة إلى تمسكها بالحوار دون التنازل عن المبادئ.

في المحصلة، تعكس قضية غرينلاند أكثر من مجرد خلاف حول جزيرة غنية بالمعادن؛ فهي اختبار حقيقي لتماسك الناتو، ولقدرة أوروبا على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في مواجهة نزعة أميركية متزايدة نحو فرض الوقائع بالقوة السياسية والاقتصادية. كما تكشف أن القطب الشمالي بات مسرحًا رئيسيًا لصراع النفوذ العالمي في العقود المقبلة. المحرر ش ع


المصادر

Exit mobile version