كشفت الأمطار القياسية التي شهدتها تونس خلال يناير/كانون الثاني عن هشاشة عميقة في منظومة إدارة المخاطر والبنى التحتية، بعدما أودت الفيضانات بحياة أربعة أشخاص وأجبرت السلطات على تعليق الدراسة وتعطيل المرافق الحيوية، خصوصًا في العاصمة ومحيطها. فبينما تُعد هذه الكميات غير مسبوقة منذ أكثر من سبعين عامًا، إلا أن تداعياتها بدت مألوفة لدى التونسيين، الذين اعتادوا مشاهد الشوارع الغارقة وتعطل النقل مع كل موجة مطر قوية.
اللافت أن الكارثة جاءت في بلد يعاني أصلًا من إجهاد مائي حاد، نتيجة سنوات من الجفاف وتراجع مخزون السدود، ما يعكس مفارقة مناخية صارخة: أمطار غزيرة في وقت قصير مقابل عجز مزمن عن تخزينها أو تصريفها بشكل آمن. ويعزو خبراء هذا الوضع إلى تقادم شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار، وسوء صيانتها، فضلًا عن التوسع العمراني السريع وغير المنظم الذي زاد من الجريان السطحي وأغلق مسارات التصريف الطبيعية.
مشاركة الجيش في عمليات الإنقاذ، وتعليق الجلسات القضائية والدروس، تؤشر إلى حجم الاضطراب الذي أحدثته الفيضانات في الحياة اليومية، وتطرح أسئلة جدية حول جاهزية البلاد لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة، التي باتت أكثر تكرارًا وحدة بفعل التغير المناخي. كما أن الخسائر البشرية، ومن بينها وفاة امرأة جرفتها السيول، تضفي بعدًا إنسانيًا مأساويًا على أزمة تتجاوز كونها ظرفًا طارئًا.
وبينما تتجه الأنظار إلى جهود الإغاثة الفورية، يبقى التحدي الأكبر في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى سياسة وقائية شاملة، تستثمر في تحديث البنية التحتية، وتحسين التخطيط الحضري، وربط سياسات المياه بالتغير المناخي. فالأمطار التي كان يمكن أن تشكل فرصة لتعزيز الأمن المائي، تحولت مرة أخرى إلى عامل تهديد، في بلد يقف عند تقاطع هش بين الجفاف والفيضانات. المحرر ش ع
المصادر
-
فرانس24 (France 24)
-
وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)
-
المعهد الوطني للرصد الجوي – تونس
-
الحماية المدنية التونسية
-
إذاعة موزاييك إف إم
