إيران تعرض خفض تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات: مناورة تفاوضية أم مدخل لاتفاق جديد؟

في تطور لافت على مسار الملف النووي الإيراني، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي استعداد بلاده لخفض نسبة تخصيب اليورانيوم المرتفعة، إذا ما تم رفع جميع العقوبات المفروضة عليها. يأتي هذا التصريح في ظل استئناف المحادثات بين طهران وواشنطن، ما يعيد إلى الواجهة معادلة “النووي مقابل الاقتصاد” التي حكمت اتفاق عام 2015.

هذا الطرح لا يمثل مجرد موقف تقني، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، تعكس حسابات دقيقة لدى الطرفين في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.


ورقة الـ60%: ضغط محسوب

بلغت إيران في السنوات الأخيرة نسبة تخصيب وصلت إلى 60%، وهي نسبة مرتفعة تضعها على مسافة تقنية قصيرة من مستوى 90% المستخدم في تصنيع سلاح نووي. ورغم أن طهران تؤكد أن برنامجها سلمي، فإن هذا المستوى من التخصيب شكل مصدر قلق متزايد للغرب.

خفض نسبة التخصيب – كما ألمح إسلامي – يعني عملياً “تخفيف” اليورانيوم عبر خلطه بمواد تقلل نسبته، وهي عملية قابلة للعكس تقنياً، لكنها تحمل إشارة سياسية قوية. فالرسالة الإيرانية هنا واضحة: يمكن التراجع عن التصعيد، لكن ليس مجاناً.


ماذا تعني عبارة “رفع جميع العقوبات”؟

النقطة الأكثر حساسية في التصريح الإيراني تتعلق بشرط رفع “جميع العقوبات”.
السؤال المفتوح: هل تقصد طهران العقوبات المرتبطة بالملف النووي فقط؟ أم تشمل أيضاً العقوبات المفروضة بسبب برنامج الصواريخ، وحقوق الإنسان، والدعم الإقليمي لحلفائها؟

هذا الغموض يبدو مقصوداً، إذ يمنح إيران مساحة تفاوضية أوسع. فالتجربة السابقة بعد اتفاق 2015 أظهرت أن رفع العقوبات بشكل جزئي لم يحقق انفراجاً اقتصادياً كافياً، خصوصاً مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات.


واشنطن بين الحسابات الداخلية والاعتبارات الاستراتيجية

من جانبها، تواجه الإدارة الأمريكية معادلة معقدة. فالتخفيف الشامل للعقوبات قد يُنظر إليه داخلياً على أنه تنازل كبير، خاصة في ظل الانقسام السياسي الحاد. كما أن الحلفاء الإقليميين لواشنطن – وفي مقدمتهم إسرائيل وبعض دول الخليج – يطالبون بضمانات أقوى تتجاوز مجرد خفض التخصيب.

لكن في المقابل، فإن تجميد التصعيد النووي الإيراني قد يساهم في:

وبالتالي فإن أي تفاهم محتمل سيكون على الأرجح مرحلياً ومشروطاً، وليس اتفاقاً شاملاً فورياً.


سيناريوهات المرحلة المقبلة

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. اتفاق مرحلي محدود
    تخفيض نسبة التخصيب مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع آلية رقابة مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

  2. مفاوضات طويلة دون اختراق حاسم
    استمرار الحوار مع خطوات تقنية محدودة لبناء الثقة.

  3. فشل المسار التفاوضي
    ما قد يدفع إيران إلى رفع مستوى التخصيب أكثر، ويعيد طرح خيار تفعيل آلية “الزناد” لإعادة العقوبات الأممية.


أبعاد إقليمية ودولية

أي انفراج في الملف النووي سينعكس مباشرة على ملفات أخرى، من العراق وسوريا إلى أمن الملاحة في الخليج. كما أن روسيا والصين، الشريكتين لإيران، ستراقبان المسار التفاوضي عن كثب، خاصة في ظل التوترات العالمية المتصاعدة.

في المحصلة، يبدو العرض الإيراني أقرب إلى خطوة تكتيكية محسوبة تهدف إلى اختبار جدية واشنطن، أكثر من كونه تنازلاً استراتيجياً كاملاً. ويبقى السؤال الجوهري: هل هناك إرادة سياسية كافية لدى الطرفين لإحياء صيغة تفاهم جديدة، أم أن فجوة الثقة المتراكمة ستبقى العائق الأكبر؟ المحرر ش ع


المصادر:

Exit mobile version