أعاد قرار محكمة الجنايات الاستئنافية بالجزائر العاصمة، القاضي بالإفراج عن أغلب المتابعين في ما عُرف بقضية “إطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، الجدل حول حدود المصالحة الوطنية ومستقبل الذاكرة السياسية في البلاد. فبعد نحو 28 شهرًا من الحبس المؤقت، جاءت الأحكام مخففة، وغطّت عمليًا مدة التوقيف بالنسبة إلى معظم المتهمين، ما أتاح إطلاق سراحهم فورًا، باستثناء علي بن حجر الذي تبقّى له جزء من العقوبة.
القرار القضائي، وإن بدا قانونيًا في ظاهره، يحمل أبعادًا سياسية ورمزية تتجاوز الملف ذاته.
بين القانون والسياسة
المتابعون وُجّهت إليهم تهم “المساس بالوحدة الوطنية” و”استخدام جراح المأساة الوطنية”، على خلفية بيان مصوّر نُشر في سبتمبر 2023 باسم هيئة غير معتمدة تحت مسمى “إطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة”. البيان تضمن مطالب سياسية، بينها رفع القيود عن النشاط السياسي، والإفراج عن سجناء من التيار الإسلامي، ورفع الإقامة الجبرية عن علي بن حاج.
بالنسبة للسلطات، الإشكال لم يكن في مضمون المطالب فحسب، بل في رمزية الحديث باسم حزب محلول قضائيًا منذ مارس 1992. فالجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي فازت بالدور الأول من الانتخابات التشريعية أواخر 1991 قبل إلغاء المسار الانتخابي، ارتبط اسمها في الوعي الرسمي ببداية الأزمة الأمنية التي عصفت بالجزائر طوال التسعينيات.
لذلك، اعتُبر التحرك محاولة لإعادة بعث كيان سياسي محظور، ولو بصيغة معنوية.
أحكام مخففة… رسالة مزدوجة
مقارنة بالأحكام الابتدائية التي تراوحت بين ثلاث وأربع سنوات، جاء حكم الاستئناف أخف وطأة. عمليًا، عاد 17 متهماً إلى بيوتهم يوم صدور الحكم، بينما بقي علي بن حجر لفترة قصيرة إضافية باعتباره “المحرك الرئيسي” للمبادرة.
هذا التطور يقرأه بعض المتابعين كإشارة إلى رغبة في إغلاق الملف دون تصعيد إضافي، خاصة في ظل حساسية الإرث السياسي للتسعينيات. وفي المقابل، يحمل أيضًا رسالة ردع واضحة مفادها أن أي محاولة لإحياء نشاط سياسي باسم الجبهة ستواجه بالقانون.
المصالحة الوطنية وحدودها
منذ إقرار قانون الوئام المدني (1999) ثم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية (2005)، تبنّت الدولة مقاربة تقوم على طي صفحة العشرية السوداء، مقابل التزام المعنيين بعدم العودة إلى النشاط السياسي أو المساس باستقرار البلاد.
القضية الأخيرة تعيد طرح سؤال قديم:
هل المصالحة تعني النسيان التام، أم يمكن فتح نقاش سياسي حول تلك المرحلة دون الوقوع تحت طائلة القانون؟
قانون المصالحة يتضمن موادًا تجرّم استغلال “جراح المأساة الوطنية”، وهو ما استندت إليه النيابة في توجيه الاتهامات. لكن في المقابل، ثمة شريحة من الرأي العام ترى أن إغلاق الملفات بالكامل قد لا يمنع عودتها إلى النقاش، خاصة في سياق التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ حراك 2019.
السياق الأوسع: خطاب السلطة والجيش
تزامن صدور الأحكام مع خطاب حاد في مجلة “الجيش”، التي تُعد مرآة لمواقف القيادة العسكرية، هاجم معارضين في الخارج وندّد بما وصفه بـ”الحملات التضليلية” ضد البلاد. هذا التزامن يعكس تمسّك المؤسسة الرسمية بخطاب الاستقرار والسيادة، ورفض أي مبادرات قد تُفهم كمساس بالوحدة الوطنية أو إعادة إنتاج صراعات الماضي.
في المقابل، تسعى السلطات إلى إبراز صورة الجزائر كبلد تجاوز أزماته الأمنية، وانخرط في مشاريع اقتصادية واستراتيجية كبرى.
هل أُغلق الملف فعلًا؟
قضائيًا، يمكن القول إن الملف طُوي. سياسيًا، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا.
فالجبهة الإسلامية للإنقاذ، رغم حلّها قبل أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال حاضرة كرمز في النقاشات حول الديمقراطية والشرعية الانتخابية والأزمة الأمنية.
الإفراج عن أغلب المتهمين قد يُفسَّر كبادرة تهدئة، لكنه في الوقت ذاته يرسّخ الخط الأحمر الذي رسمته الدولة منذ 1992: لا عودة لأي نشاط سياسي تحت راية الحزب المحظور.
وفي بلد لا تزال ذاكرته الجماعية مثقلة بتجربة دامية، يبقى التوازن بين المصالحة والذاكرة، وبين الاستقرار وحرية التعبير، معادلة دقيقة يصعب حسمها بشكل نهائي. المحرر ش ع
المصادر
-
وكالة الأنباء “فرانس برس” (AFP)
-
صحيفة “القدس العربي”
-
صحيفة “الشرق الأوسط”
-
موقع “العربي الجديد”
-
نصوص قانون الوئام المدني (1999) وميثاق السلم والمصالحة الوطنية (2005)
-
بيانات وأحكام محكمة الجنايات الاستئنافية بالجزائر العاصمة
