“الحياة في الخيام ليست بحياة”… غزة بين هدنة هشة ومعاناة يومية لا تنتهي

منذ إعلان وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، خيّم على قطاع غزة هدوء هشّ، أنهى عامًا داميين من الحرب، لكنه لم يُنهِ المعاناة. فبين أكوام الركام، وتحت أزيز الطائرات المسيّرة، يحاول نحو مليوني فلسطيني إعادة ترتيب ما تبقى من حياتهم، في مساكن بدائية أو خيام باتت بدورها رفاهية باهظة الثمن.

رغم الهدنة، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية المتفرقة، فيما تشير إحصاءات وزارة الصحة في غزة إلى مقتل مئات الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار. أما حصيلة الحرب الإجمالية فبلغت عشرات الآلاف، وسط دمار طال ثلثي مباني مدينة غزة، وقطاعات واسعة من الشمال والوسط والجنوب.

عودة إلى الركام

تقول هبة (48 عامًا) إنها نجت من “كابوس مروع”، لكنها لا تشعر بالأمان. عادت إلى ما تبقى من منزلها، تحاول استعادة نسق حياة طبيعي وسط غياب الماء والكهرباء واستمرار القلق من عودة القتال في أي لحظة. تضيف:
“اليوم نحصل على الغذاء، لكن لا شيء مضمون غدًا”.

في شمال القطاع، يعيش مهند (26 عامًا) مع عائلته في خيمة قرب جباليا، على بعد مئات الأمتار من منزلهم المدمر. يومه، كما يصفه، سلسلة من الانتظارات:
“انتظار للحصول على الغذاء، انتظار للحصول على الماء، انتظار للحصول على تذاكر الطعام”.

خيمتهم لا تقي من برد الشتاء ولا من الأمطار التي أغرقت مناطق واسعة. والحصول على خيمة أكثر متانة يتطلب ما بين 700 و900 دولار، مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات التي فقدت مصادر دخلها.

بين الخيمة والمبنى الآيل للسقوط

مع اشتداد البرد والفيضانات، لجأ بعض السكان إلى مبانٍ متداعية هربًا من العراء. لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر؛ إذ سُجلت وفيات بسبب انهيار مبانٍ مدمرة جزئيًا.

صبحي، الذي عاد إلى حي الشيخ رضوان شمالًا، يعيش مع عائلته في منزل متضرر بشدة. يقول:
“الحياة في الخيام ليست بحياة. الأطفال لا يذهبون إلى المدارس، نعيش وسط التلوث والأنقاض. لا توجد كلمات تصف هذا الواقع”.

حتى تأمين الماء يوميًا أصبح مهمة شاقة، في ظل تضرر أكثر من نصف الآبار وتدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.

سوق مفتوحة… بلا قدرة شرائية

بعد الهدنة، أعادت بعض المحال والأسواق فتح أبوابها، وانخفضت أسعار بعض المواد الغذائية مقارنة بفترة الحرب. إلا أن انخفاض الأسعار لا يعني توفر القدرة على الشراء، إذ يعيش معظم السكان بلا دخل ثابت، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية المحدودة.

وتفاقمت الأزمة بسبب شح السيولة النقدية. فالبنوك فتحت أبوابها لأعمال إدارية فقط، وأجهزة الصراف الآلي لا تعمل. التحويلات المالية من الخارج تمر عبر وسطاء وتُقتطع منها عمولات قد تصل إلى 20 بالمئة.

تقول هبة، التي استأنفت عملها مع منظمة طبية دولية، إن العيادات تستقبل أعدادًا متزايدة من المصابين بأمراض تنفسية وجلدية ومعوية نتيجة الاكتظاظ وسوء الأوضاع الصحية.

هدنة بلا استقرار

يتكدس نحو مليوني شخص في مناطق لا تمثل سوى 40 بالمئة من مساحة القطاع، في ظل استمرار المناطق العازلة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. أما معبر رفح، ففتح جزئيًا لحركة الأفراد، بينما تبقى حركة البضائع خاضعة لقيود مشددة.

وسط هذا المشهد، تبدو الحياة اليومية معركة بحد ذاتها: البحث عن مأوى، عن ماء، عن دواء، عن بصيص أمل. تقول سلمى، التي تعيش في مخيم الزوايدة وسط القطاع:
“كل ذكرياتنا دمرتها القنابل. كل ما نملكه هو الأمل في الحصول على حياة كريمة يومًا ما”.

أما مهند، فيلخص يومه بجملة تختصر حال كثيرين:
“مع غروب الشمس ننام على أمل أن يكون غدنا أقل قسوة… لكن كل يوم يبدو أشد من الذي سبقه”.

في غزة، انتهت الحرب رسميًا، لكن آثارها لا تزال حاضرة في كل خيمة، وكل جدار متصدع، وكل طابور انتظار. الهدوء الحالي يمنح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يكفي لبناء حياة من جديد دون إعادة إعمار شاملة وضمانات حقيقية بعدم تكرار المأساة.المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة أسوشيتد برس

  • وزارة الصحة في غزة

  • بيانات منظمات إنسانية عاملة في القطاع

Exit mobile version