بعد شهور من التوتر.. التعاون الأمني يعيد الجزائر وفرنسا إلى مسار التنسيق

بعد مرحلة طويلة من البرود السياسي والتجاذبات العلنية، عادت الجزائر و**فرنسا** إلى تفعيل آلية التعاون الأمني رفيع المستوى، في خطوة تعكس تحوّلاً براغماتياً في إدارة الخلافات الثنائية، وتفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة تدريجياً بين العاصمتين.

الإعلان جاء عقب زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر، حيث أجرى محادثات مع نظيره سعيد سعيود، قبل أن يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون. وأكد نونييز أن الطرفين اتفقا على إعادة إطلاق آلية تعاون أمني “بهدف استئناف علاقات طبيعية وتعزيزها”، لا سيما في مجالات التنسيق الشرطي والتعاون القضائي وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

الأمن كمدخل لتبريد السياسة

يعكس هذا التطور إدراكاً مشتركاً لدى البلدين بأن التحديات الأمنية في المنطقة — من اضطرابات الساحل إلى شبكات الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود — تفرض مستوى من التنسيق لا يمكن تعليقه إلى أجل غير مسمى بسبب الخلافات السياسية.

فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في محيط الساحل، تمثل فاعلاً أمنياً أساسياً في شمال أفريقيا. وفي المقابل، ترى باريس في التعاون مع الجزائر ضرورة استراتيجية للحفاظ على مصالحها الأمنية جنوب المتوسط، خاصة في ظل تراجع نفوذها في بعض دول الساحل.

جذور الأزمة

تدهورت العلاقات منذ صيف 2024 بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، وهو ما اعتبرته الجزائر انحيازاً يمسّ بمبدأ الحياد الفرنسي التقليدي في هذا النزاع.

كما ظلت ملفات الذاكرة المرتبطة بالاستعمار الفرنسي، إضافة إلى قضايا الهجرة والتأشيرات، تغذي مناخ عدم الثقة. ورغم محاولات سابقة لاحتواء الأزمة، بينها زيارة وزير الخارجية الفرنسي آنذاك جان نويل بارو إلى الجزائر في أبريل 2025، فإن الجمود استمر لأشهر قبل أن تأتي المبادرة الأمنية الحالية.

براغماتية مرحلية أم تحول أعمق؟

الخطوة الجديدة تعكس، على الأرجح، توجهاً براغماتياً يقوم على الفصل بين الملفات الخلافية والتعاون في القضايا ذات المصلحة المشتركة. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل التنسيق الأمني إلى أرضية لحوار سياسي أوسع يعالج جذور التوتر.

فإعادة تفعيل قنوات الاتصال الأمنية قد تساهم في تبريد الأجواء، لكنها لن تكون كافية إذا لم تُرفق بإشارات سياسية متبادلة تعيد ترميم الثقة، سواء في ملف الذاكرة أو في القضايا الإقليمية الحساسة.

اختبار المرحلة المقبلة

يبقى السؤال المطروح: هل يمثل هذا الاتفاق بداية مسار مستدام لإعادة تطبيع العلاقات، أم أنه مجرد استجابة ظرفية لضغوط أمنية آنية؟

الإجابة ستتضح في الأشهر المقبلة، مع بدء تنفيذ آليات التعاون المعلنة. غير أن المؤكد أن العلاقات الجزائرية الفرنسية، بحكم التاريخ والجغرافيا وتشابك المصالح، تظل محكومة بإدارة الخلاف لا بقطيعة دائمة. المحرر ش ع


المصادر:

  • تقرير موقع العربية.نت حول زيارة وزير الداخلية الفرنسي وإعلان إعادة تفعيل التعاون الأمني (17 فبراير 2026).

  • تقرير فرانس 24 بشأن تصريحات لوران نونييز خلال زيارته الرسمية إلى الجزائر (17 فبراير 2026).

Exit mobile version