في كل مرة تُطرح فيها مسألة الدولة الفلسطينية، يعود السؤال ذاته: كيف تبدو خريطتها؟
اليوم، ومع الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية، والوقائع الميدانية المتغيرة في قطاع غزة، لم يعد السؤال نظرياً أو تفاوضياً فقط، بل جغرافياً بامتياز.
التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي تحدثت عن “تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني في يهودا والسامرة”، ترافقها خطوات عملية تشمل توسيع الاستيطان، تعديل صلاحيات التخطيط والبناء، وتسهيل شراء الأراضي في مناطق حساسة. هذه التحولات لا تعني مجرد توسع إداري، بل إعادة رسم فعلي للخريطة على الأرض.
الضفة الغربية: من إقليم متصل إلى “جزر معزولة”
وفق الرؤية الفلسطينية التقليدية، تقوم الدولة المنشودة على حدود 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية. لكن الواقع الحالي يُظهر صورة أكثر تعقيداً:
-
أكثر من 60% من أراضي الضفة (المصنفة “ج”) تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة.
-
انتشار استيطاني كثيف، يقدّر بمئات آلاف المستوطنين، يخلق تداخلاً ديموغرافياً وجغرافياً يصعب فصله.
-
شبكة حواجز وبوابات عسكرية وجدار فصل أدت إلى تقطيع أوصال المدن الفلسطينية.
النتيجة: المحافظات الكبرى – نابلس، جنين، الخليل، طولكرم، قلقيلية، أريحا، بيت لحم – تبدو ككيانات منفصلة أكثر منها إقليماً واحداً متصلاً. أي خريطة مستقبلية لدولة فلسطينية، إذا قامت في هذا السياق، ستكون أشبه بأرخبيل جغرافي، لا بكتلة أرضية موحدة.
القدس: العقدة المركزية
القدس الشرقية تمثل البعد الرمزي والسياسي الأهم في مشروع الدولة الفلسطينية. لكن التوسع الاستيطاني في محيطها، وربط المستوطنات الكبرى بها، يخلق طوقاً عمرانياً يعزلها عن بقية الضفة.
أي خريطة فلسطينية دون القدس الشرقية تفقد عمقها السياسي، وأي خريطة تشملها تصطدم بواقع ديموغرافي وقانوني معقد فرضته إسرائيل منذ 1967.
غزة: خريطة تحت إعادة التشكيل
في قطاع غزة، تكشف صور الأقمار الصناعية عن وجود عسكري إسرائيلي متغير وانتشار جديد في بعض المناطق. بعد سنوات من الحصار والحروب، أصبحت جغرافيا غزة نفسها خاضعة لتحولات ميدانية متكررة.
إذا كانت الضفة تُجزّأ بالحواجز والمستوطنات، فإن غزة تُعاد صياغة مساحاتها عبر مناطق عازلة وانتشار عسكري مؤقت أو دائم. وهذا يطرح سؤالاً إضافياً:
هل ستكون الدولة الفلسطينية المستقبلية كيانين منفصلين جغرافياً دون ممر سيادي بينهما؟
البعد السياسي: إضعاف الكيانية
إلى جانب الجغرافيا، هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: الكيانية السياسية.
احتجاز أموال المقاصة، القيود الاقتصادية، وتراجع الأفق السياسي، كلها عوامل تؤثر في قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة سيادة فعلية حتى ضمن المساحات المحدودة التي تديرها.
فالدولة ليست فقط حدوداً على الخريطة، بل قدرة على التحكم بالمعابر، الموارد، الأمن، والاقتصاد. وهذه العناصر اليوم موزعة أو مقيدة بشكل كبير.
بين خريطة القانون وخريطة الواقع
قانونياً، ما زال المجتمع الدولي يعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة أراضي محتلة، ويدعم – نظرياً – حل الدولتين.
لكن ميدانياً، هناك مسار مختلف يتشكل: توسع استيطاني، دمج إداري تدريجي لبعض المناطق، وإعادة تعريف السيطرة.
بذلك، تتقاطع خريطتان:
-
خريطة سياسية قانونية تقوم على حدود 1967.
-
خريطة ميدانية متغيرة تقوم على السيطرة الأمنية والاستيطان والوقائع المفروضة.
الفجوة بين الخريطتين تتسع مع كل قرار جديد.
كيف تبدو الدولة التي يحلم بها الفلسطينيون؟
في المخيال الفلسطيني، الدولة هي:
-
أرض متصلة جغرافياً بين الضفة وغزة.
-
سيادة كاملة على الحدود والمعابر.
-
القدس الشرقية عاصمة.
-
تواصل اقتصادي وسياسي داخلي دون حواجز.
أما في ظل الإجراءات الحالية، فإن أي تصور واقعي قصير المدى يبدو أقرب إلى دولة منقوصة السيادة، مجزأة جغرافياً، ومحاطة بقيود أمنية.
الخلاصة
خريطة الدولة الفلسطينية اليوم ليست مجرد رسم جغرافي، بل صراع بين تصورين:
تصور يقوم على قرارات الشرعية الدولية وحدود 1967،
وتصور آخر يتشكل تدريجياً عبر الوقائع على الأرض.
ومع استمرار الإجراءات الإسرائيلية في الضفة والتحولات في غزة، يصبح رسم خريطة متكاملة للدولة الفلسطينية أقرب إلى سؤال سياسي مفتوح منه إلى مشروع جغرافي مكتمل المعالم. المحرر ش ع
المصادر:
-
فرانس24 – حوار مع سليمان بشارات
-
وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)
-
نصوص اتفاق أوسلو (1993–1995)
-
تقارير الأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة
-
خرائط وتقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)
