في أول زيارة له إلى المنطقة الحدودية منذ إعلان الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله فيها، تعهّد رئيس الحكومة نواف سلام بالشروع في إعادة إعمار القرى المدمرة جنوب البلاد، مؤكدًا إطلاق مشاريع لتأهيل الطرقات وشبكات الاتصالات والمياه والكهرباء.
الزيارة لم تكن بروتوكولية فقط، بل حملت أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان بعد أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حربًا مدمرة مع إسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
من بلدة طير حرفا، على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود، وصف سلام ما جرى بأنه “نكبة حقيقية”، في اعتراف رسمي بحجم الدمار الذي لا تزال آثاره ماثلة في القرى الجنوبية، حيث لم يتمكن كثير من السكان من العودة إلى منازلهم.
إعادة الإعمار… تثبيت للسيادة
إعلان الحكومة مباشرة مشاريع تأهيل 32 كلم من الطرقات، وإعادة ربط شبكات الاتصالات والمياه والكهرباء، يحمل دلالة تتجاوز البعد الخدمي. فإعادة الإعمار هنا ليست مجرد ورشة إنمائية، بل خطوة لإعادة تثبيت سلطة الدولة في منطقة لطالما شكلت ساحة نفوذ أساسية لحزب الله.
وجود نواب من حزب الله وحركة أمل إلى جانب رئيس الحكومة خلال المؤتمر الصحفي في بنت جبيل يعكس محاولة لإظهار مشهد توافقي، يخفف من حدة التحولات الأمنية الأخيرة، ويمنح غطاءً سياسيًا لمرحلة ما بعد نزع السلاح.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرمزية، بل في القدرة الفعلية على التنفيذ، في ظل اقتصاد منهك وأزمة مالية مستمرة.
التمويل الدولي… بشروط واضحة
البنك الدولي وافق سابقًا على قرض بقيمة 250 مليون دولار لدعم إعادة الإعمار، فيما قُدرت الكلفة الإجمالية بنحو 11 مليار دولار. هذا الفارق الكبير بين المتاح والمطلوب يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: تأمين التمويل واستعادة ثقة المانحين.
تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من بيروت بأن “الشرط الأساسي لتدفق التمويل الدولي هو إصلاح النظام المصرفي” تكشف بوضوح أن المجتمع الدولي يربط أي دعم واسع النطاق بإصلاحات هيكلية طال انتظارها.
بمعنى آخر، إعادة إعمار الجنوب قد تتحول إلى بوابة لإعادة هيكلة أوسع للاقتصاد اللبناني، إذا أحسنت الحكومة استثمار اللحظة.
معادلة الأمن والهشاشة
لبنان يتهم إسرائيل بمحاولة عرقلة إعادة الإعمار عبر استهداف آليات البناء في الجنوب. وإذا استمر هذا التوتر، فقد يُبطئ وتيرة المشاريع ويُعيد المنطقة إلى مربع عدم الاستقرار.
في المقابل، تعزيز قدرات الجيش اللبناني – كما نوقش خلال لقاء قائد الجيش رودولف هيكل مع الوزير الفرنسي – يشير إلى رهان داخلي وخارجي على المؤسسة العسكرية كضامن أمني للمرحلة المقبلة.
لكن أي خلل أمني قد يُربك المعادلة برمتها، ويُعيد طرح أسئلة حول قدرة الدولة على ملء الفراغ الذي خلّفه نزع سلاح حزب الله.
لحظة مفصلية للدولة اللبنانية
زيارة نواف سلام إلى الجنوب ليست مجرد جولة ميدانية، بل إعلان عن بداية مرحلة سياسية جديدة: انتقال من منطق إدارة الأزمات إلى محاولة استعادة المبادرة.
نجاح هذه المرحلة سيتوقف على ثلاثة عناصر أساسية:
-
استقرار أمني مستدام في الجنوب.
-
تدفق تمويل دولي مشروط بإصلاحات حقيقية.
-
قدرة الحكومة على إدارة توازن حساس بين القوى السياسية الداخلية.
الجنوب اليوم ليس فقط منطقة منكوبة تحتاج إلى إعمار، بل ساحة اختبار لمدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الكامل بعد سنوات من الانقسام والانهيار. المحرر ش ع
مصادر الخبر:
-
وكالة فرانس برس
-
وكالة أسوشيتد برس
-
بيان الجيش اللبناني بشأن اللقاء مع وزير الخارجية الفرنسي
-
تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام خلال جولته في طير حرفا وبنت جبيل
-
بيانات البنك الدولي حول قرض إعادة الإعمار في لبنان
