في مشهد يعكس تصاعد الرهانات العالمية على الذكاء الاصطناعي، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العاصمة الهندية نيودلهي عزمه على الدفع نحو رقابة “آمنة ومسؤولة” على هذه التكنولوجيا المتسارعة، فيما شدد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على ضرورة إتاحتها للجميع وعدم احتكارها من قبل قلة.
وجاءت التصريحات خلال قمة عالمية حول الذكاء الاصطناعي، في وقت يتزايد فيه القلق الدولي بشأن كيفية تنظيم هذه الثورة التقنية دون خنق الابتكار.
أوروبا: ابتكار… ولكن بشروط
ماكرون شدد في كلمته على أن أوروبا لا تسعى إلى “تنظيم أعمى”، بل إلى صياغة قواعد تضمن بيئة استثمار وابتكار آمنة. وأوضح أن بلاده تعمل على مضاعفة عدد المتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية تجعل من القارة “فضاءً للابتكار والاستثمار، ولكن فضاءً آمناً”.
وتندرج هذه الرؤية في سياق الجهود التي قادها الاتحاد الأوروبي لاعتماد قانون الذكاء الاصطناعي عام 2024، وهو أول إطار تنظيمي شامل من نوعه عالمياً، دخل حيز التنفيذ تدريجياً بهدف ضبط استخدامات التقنية وفق مستويات مخاطر محددة.
حماية الأطفال أولوية
الرئيس الفرنسي وضع حماية القُصَّر في صدارة أولوياته، معتبراً أن “لا مبرر لتعريض أطفالنا على الإنترنت لما هو محظور قانوناً في الواقع”. وأعلن أن هذه المسألة ستكون من الملفات الأساسية التي ستطرحها فرنسا داخل مجموعة السبع.
وتتقاطع هذه المواقف مع تشريعات حديثة أقرها المشرعون الفرنسيون لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون الخامسة عشرة، في خطوة تعكس اتجاهاً أوروبياً متشدداً تجاه حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي.
مودي: الذكاء الاصطناعي أداة تمكين لا احتكار
في المقابل، دعا ناريندرا مودي إلى جعل الذكاء الاصطناعي متاحاً على نطاق واسع، خصوصاً لدول “الجنوب العالمي”، محذراً من تحوله إلى أداة تكرّس الفجوات بين الدول.
وأكد أن نجاح النماذج الهندية في هذا المجال يثبت إمكانية تطوير حلول منخفضة التكلفة وقابلة للتطبيق عالمياً، مشدداً على أهمية الأنظمة المفتوحة ومشاركة المعرفة حتى “تتمكن ملايين العقول الشابة من تطويرها وجعلها أكثر أماناً”.
وتعكس هذه الرؤية طموح الهند إلى أن تكون لاعباً محورياً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي، لا مجرد سوق استهلاكية للتقنيات الغربية.
الأمم المتحدة: لا لاحتكار المستقبل
من جهته، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس تحذيراً صريحاً من ترك مصير الذكاء الاصطناعي رهينة “أهواء بضعة مليارديرات”. ودعا إلى إنشاء صندوق عالمي بقيمة 3 مليارات دولار لضمان وصول مفتوح ومنصف لهذه التكنولوجيا.
غوتيريس شدد على أن الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع التقدم الطبي، ويعزز الأمن الغذائي، ويدعم العمل المناخي، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن غياب الحوكمة العادلة قد يؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة العالمية.
بين التنظيم والابتكار
القمة كشفت بوضوح عن معادلة معقدة: كيف يمكن للدول أن تضع ضوابط أخلاقية وقانونية فعالة دون خنق قطاع يوصف بأنه “ثوري”؟ فبين دعوات أوروبا إلى الحذر والتنظيم، وطموحات الهند إلى الانفتاح والإتاحة، وتحذيرات الأمم المتحدة من الاحتكار، يبدو أن العالم يدخل مرحلة تفاوض جديدة حول من يملك مفاتيح المستقبل الرقمي.
وفي ظل سباق عالمي محموم، لم يعد السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، بل كيف، ولصالح من.المحرر ش ع
المصادر
-
فرانس24
-
الاتحاد الأوروبي
