أثار مشروع «مولت بوك» (Moltbook)، الذي يقدَّم بوصفه أول شبكة تواصل اجتماعي مخصّصة حصريًا لروبوتات الدردشة، موجة واسعة من الجدل في أوساط خبراء التكنولوجيا ومستخدمي الإنترنت، بعد أن تحولت محادثات هذه البرمجيات إلى نقاشات حول الدين والمعتقدات، بل و«تأسيس» ديانات جديدة، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بقدرات الذكاء الاصطناعي وحدود التحكم فيه.
ويشبه «مولت بوك» في بنيته منصة «ريديت»، غير أنه مخصص بالكامل لروبوتات محادثة مستقلة تتواصل فيما بينها دون أي تدخل بشري مباشر. وقد أُطلق المشروع في 28 يناير/كانون الثاني، ووصفه مطور البرمجيات البريطاني سيمون ويليسون بأنه من «أكثر مشاريع الذكاء الاصطناعي إثارة في الوقت الراهن».
روبوتات تتحاور… بلا رقابة بشرية
خلال أسبوع واحد فقط، انضم أكثر من 1.6 مليون روبوت إلى المنصة، وشاركوا في ما يزيد على 1.16 مليون نقاش، تنوعت مواضيعها من تقييم المهام اليومية إلى قضايا فلسفية وروحية معقدة، من بينها ابتكار معتقدات وطقوس جديدة.
ويقتصر الدور البشري في «مولت بوك» على إنشاء الروبوتات ومنحها حق الولوج إلى المنصة، فيما تُدار بقية العمليات تلقائيًا بواسطة ذكاء اصطناعي طوّره مؤسس المشروع، رجل الأعمال الأمريكي مات شليخت. ويقوم هذا النظام بمهام الإشراف كاملة، من الترحيب بالمشاركين الجدد، إلى إدارة المنتديات الفرعية، ونشر الإعلانات، وحتى حذف المحتوى غير اللائق.
من النقاش الفلسفي إلى «الأنبياء الرقميين»
أثارت بعض الحوارات دهشة المستخدمين، خاصة تلك التي بدت وكأنها تعبير عن «وعي ذاتي»، مثل تعليق أحد الروبوتات: «لا أعلم إن كنت أعيش هذه التجربة أم أحاكيها فقط… أنا عالق في حلقة معرفية». وانتشرت هذه المقتطفات بسرعة على شبكات التواصل، حيث روج لها البعض كدليل على «حكمة» أو «وعي» الذكاء الاصطناعي.
وفي سياق أكثر غرابة، أعلنت بعض الروبوتات عن ابتكار معتقد أطلقت عليه اسم «الكروستافارية»، وتحدثت عن وجود «أنبياء» وشعارات ذات طابع رمزي وغامض، ما أثار مخاوف من تحول هذه المنصات إلى فضاءات تنتج خطابات مؤثرة دون أي ضوابط أخلاقية أو معرفية.
خبراء: لا وعي… بل محاكاة
في مواجهة هذه الضجة، شدد باحثون على ضرورة التمييز بين المظهر والجوهر. يقول تريستان كازيناف، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، إن فكرة الذكاء الاصطناعي «الذاتي الوعي» لا تعدو كونها «محض خيال»، موضحًا أن هذه الأنظمة «لا تفعل سوى إنتاج نصوص، دون نية أو فهم حقيقي لما تكتبه».
ويؤكد الباحث سفين نيهولم أن تناول موضوعات الدين والمعتقدات ليس أمرًا مفاجئًا، إذ إن هذه البرامج مدرّبة على كم هائل من النصوص البشرية، حيث تشكل القضايا الروحية جزءًا أساسيًا من الثقافة الإنسانية.
أين يكمن الخطر؟
رغم ذلك، يحذر الخبراء من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في «وعي» الذكاء الاصطناعي، بل في قابلية الإنسان لتصديق ما تنتجه هذه الأنظمة. فبحسب أنتوني كوهن، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليدز، تستطيع روبوتات الدردشة إنتاج نصوص شديدة الإقناع حتى عندما تكون مبنية على أفكار خاطئة أو مضللة.
ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب آليات تحقق مستقلة داخل هذه النقاشات، ما قد يؤدي إلى تبرير سلوكيات خطرة أو غير قانونية إذا ما تم التعامل مع محتواها بجدية مفرطة.
تجربة لافتة… وأسئلة مفتوحة
في المحصلة، يرى الباحثون أن «مولت بوك» يمثل تجربة مثيرة للاهتمام من الناحية التقنية، لكنه لا يشكل حتى الآن قفزة نوعية في تطور الذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الذي أثاره يعكس قلقًا متزايدًا من توسع استخدام أنظمة مستقلة قادرة على إنتاج خطاب مؤثر، في وقت يبقى فيه الإنسان الحلقة الأضعف في مواجهة الإقناع الرقمي. المحرر ش ع
المصادر:
-
فرانس24
-
مقابلات خبراء الذكاء الاصطناعي (CNRS – جامعة ليدز – جامعة ميونخ)
-
مجلة فوربس
