هل تقود أزمة الطيران إلى قطيعة دبلوماسية بين الجزائر والإمارات؟

لم تعد الأزمة بين الجزائر وأبوظبي مجرد تباين في وجهات النظر أو رسائل سياسية مبطنة، بل دخلت مرحلة الإجراءات العملية بعد إعلان الجزائر الشروع في إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي الموقعة عام 2013. خطوة تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات سياسية ثقيلة في سياق توتر متصاعد منذ أكثر من عامين.

فهل نحن أمام تصعيد تكتيكي قابل للاحتواء، أم مسار يتجه فعلاً نحو قطيعة دبلوماسية؟


من الخلاف السياسي إلى القرار العملي

التوقيت ليس عفوياً.
إلغاء اتفاقية الطيران جاء بعد تصريحات للرئيس عبد المجيد تبون ألمح فيها بوضوح إلى دولة خليجية اتهمها بمحاولة التدخل في الشأن الداخلي وتهديد الجزائر اقتصادياً. ورغم عدم ذكر الإمارات صراحة، فإن السياق كان واضحاً.

اللافت أن القرار الجزائري استند إلى الآليات القانونية المنصوص عليها في الاتفاقية نفسها، ما يعني أنه إجراء مدروس وليس رد فعل عاطفياً. في المقابل، جاء الرد الإماراتي هادئاً، مؤكداً أن الرحلات ستستمر خلال المهلة القانونية، وأن التنسيق يجري عبر القنوات الرسمية.

هذا التباين في الخطاب يعكس اختلافاً في إدارة الأزمة:
الجزائر ترفع السقف سياسياً، والإمارات تميل إلى التهدئة الإجرائية.


لماذا الطيران تحديداً؟

قطاع الطيران ليس مجرد وسيلة نقل، بل أداة سيادية واقتصادية واستراتيجية.
إلغاء الاتفاقية قد يؤثر على:

  • حركة الشركات الجوية بين البلدين

  • استخدام المجال الجوي الجزائري في رحلات الإمارات نحو المغرب العربي والساحل

  • الاستثمارات المرتبطة بإدارة وتشغيل بعض المرافق

لكن في الوقت نفسه، لا يُعد هذا القرار ضربة اقتصادية قاصمة لأي من الطرفين. حجم التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين أكبر من أن يُختزل في اتفاق نقل جوي.

لذلك، يُقرأ القرار كرسالة سياسية أكثر منه إجراء اقتصادي.


جذور التوتر: صراع رؤى إقليمية

الخلاف لا يرتبط فقط بالملف الثنائي، بل يمتد إلى ملفات إقليمية حساسة:

  • ليبيا

  • منطقة الساحل ومالي

  • التوازنات داخل المغرب العربي

  • اتهامات جزائرية بالتدخل في الشأن الداخلي

الجزائر ترى نفسها فاعلاً تقليدياً في محيطها الجغرافي، وترفض أي دور تعتبره مزاحماً أو مؤثراً على أمنها القومي.
في المقابل، تنتهج الإمارات سياسة خارجية نشطة في عدة مناطق عربية، ما خلق نقاط احتكاك غير مباشرة.


هل نحن أمام قطيعة دبلوماسية؟

الحديث عن قطع العلاقات ليس مستحيلاً، لكنه ليس الخيار الأول أيضاً.

هناك عوامل تمنع الانزلاق السريع نحو القطيعة:

  1. الاستثمارات الإماراتية في الجزائر في قطاعات صناعية وخدمية.

  2. المصالح الاقتصادية المتبادلة.

  3. عدم صدور إجراءات إماراتية مقابلة حتى الآن.

  4. استمرار القنوات الدبلوماسية مفتوحة رسمياً.

لكن في المقابل، هناك مؤشرات تصعيدية:

  • لهجة سياسية جزائرية أكثر حدّة من السابق.

  • انتقال الخلاف من التصريحات إلى القرارات.

  • تراكم الاتهامات المتبادلة منذ 2024.

بعبارة أخرى، الأزمة في مرحلة “الضغط السياسي المتبادل”، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة.


سيناريوهات المرحلة المقبلة

1. احتواء تدريجي:
إعادة التفاوض حول بعض الملفات مع إبقاء الخلاف في حدوده السياسية دون قطيعة.

2. تجميد بارد للعلاقات:
استمرار التمثيل الدبلوماسي مع تقليص التعاون الاقتصادي والسياسي.

3. تصعيد متدرج نحو القطيعة:
في حال وقوع أزمة إقليمية جديدة تُتهم فيها أبوظبي بالتأثير في محيط الجزائر الأمني.

حتى الآن، المؤشرات تميل إلى السيناريو الثاني أكثر من الثالث.

قرار إلغاء اتفاقية الطيران ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة توتر ممتدة.
هو رسالة سياسية واضحة بأن الجزائر مستعدة لاستخدام أدوات قانونية واقتصادية للرد على ما تعتبره تدخلاً في شؤونها.

لكن التحول من أزمة دبلوماسية إلى قطيعة كاملة يتطلب تصعيداً إضافياً لم يحدث بعد.
العلاقات تمر بمرحلة اختبار حقيقي، والنتيجة ستتوقف على ما إذا كان الطرفان سيختاران إدارة الخلاف، أم تحويله إلى مواجهة مفتوحة.

في السياسة، أحياناً تكون الخطوات الرمزية أخطر من القرارات الكبيرة… لأنها تكشف اتجاه البوصلة. المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة الأنباء الجزائرية

  • وكالة أنباء الإمارات (وام)

  • تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون لوسائل إعلام جزائرية

  • تحليلات علي بوخلاف وسيف الدين قداش في وسائل إعلام عربية

Exit mobile version