عميد الأغنية البدوية الشيخ حمادة… صوت مستغانم الذي عبر الحدود

مطالب بتخليد اسم المجاهد محمد قوعيش على قاعة وسط المدينةيتجدد الحديث في الأوساط الثقافية والفنية بمدينة مستغانم حول ضرورة تخليد اسم المجاهد والفنان الكبير الحاج محمد قوعيش المدعو الشيخ حمادة، وذلك عبر إطلاق اسمه الكامل على القاعة الواقعة بوسط المدينة، تكريما لمسيرة رجل جمع بين النضال الوطني والإبداع الفني، وترك بصمة خالدة في تاريخ الأغنية البدوية الجزائرية.

فالراحل، واسمه الحقيقي محمد قوعيش بن عبد الله، وُلد سنة 1889 ببلدية طواهرية بولاية مستغانم، ولم يكن مجرد فنان عابر في سماء الفن الشعبي، بل كان مدرسة فنية متكاملة أحدثت تحولاً كبيراً في الأغنية البدوية، حتى وصفه الكثيرون بعميد هذا اللون الغنائي الأصيل. وقد انطلقت رحلته من أرياف طواهرية حيث عاش طفولة صعبة في مزارع المعمرين، وعرف عن قرب معاناة العمال الجزائريين في ظل الاستعمار، قبل أن ينتقل سنة 1919 إلى مدينة مستغانم ويستقر بحي تيجديت العريق، حيث بدأت ملامح موهبته الفنية تتبلور وتسطع.

ومنذ بداياته الأولى، أظهر الشيخ حمادة شغفا كبيرا بالأغنية البدوية الأصيلة، فكان يردد قصائد شعراء الملحون الكبار ويشارك في الأعراس والسهرات الشعبية، قبل أن يؤسس فرقته الفنية سنة 1923، ليحدث بذلك نقلة نوعية في هذا الفن، خاصة باعتماده على آلة القصبة والڤلال، ما منح الأغنية البدوية بعداً حضريا بعدما كانت حبيسة الأرياف.

وسرعان ما ذاع صيته في مستغانم ثم في وهران، حيث التقى بكبار الشعراء والفنانين وغنى لكوكبة من شعراء الملحون، من بينهم مصطفى بن إبراهيم والخالدي وابن قنون وابن طبجي. ولم تمض سنوات قليلة حتى تجاوز صيته حدود الوطن، فسافر سنة 1930 إلى أوروبا لتسجيل أسطواناته، متنقلاً بين باريس وبرلين، حيث سجل أولى أعماله التي حققت نجاحاً واسعاً، ليصل عدد تسجيلاته لاحقاً إلى نحو 500 أسطوانة محفوظة في أرشيف الإذاعة الوطنية.

ولم يكن الشيخ حمادة فنانا فحسب، بل كان أيضا مجاهدا وطنيا عاش هموم شعبه ووقف إلى جانب قضيته العادلة، حيث توقف عن الغناء خلال ثورة التحرير المباركة، فيما التحق أبناؤه الثلاثة بصفوف جيش التحرير الوطني، واستشهد أحدهم سنة 1959 في ساحة الشرف، في صفحة أخرى من صفحات التضحية التي ميزت حياة هذه العائلة.

لقد ظل الشيخ حمادة طوال مسيرته صوتاً صادقاً يعكس أفراح الناس وأحزانهم، كما كان مرجعاً في الشعر الملحون يقصده الفنانون والشعراء للاستفادة من ذاكرته الغنية وتجربته الطويلة. واستمر تأثيره الفني حتى بعد رحيله في 9 أفريل 1968، وهو اليوم الذي اعتبره كثيرون محطة حزينة في تاريخ الأغنية البدوية الجزائرية.

واليوم، وبعد عقود من رحيله، تعود المطالب من جديد بضرورة رد الاعتبار لهذا الرمز الثقافي الكبير، من خلال تسمية القاعة الواقعة بوسط مدينة مستغانم باسمه الكامل المجاهد الحاج محمد قوعيش المدعو الشيخ حمادة، حتى يبقى حاضرا في ذاكرة الأجيال القادمة، تقديرا لمسار رجل رفع اسم مستغانم عاليا في الجزائر وخارجها، وجعل من الأغنية البدوية تراثاً وطنياً يعتز به الجميع.

Exit mobile version