في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها القارة الإفريقية، عادت الجزائر لتؤكد تمسكها بدورها الإقليمي من خلال طرح مقاربة متكاملة لبناء الأمن والسلم، وذلك خلال ملتقى وطني احتضنه النادي الوطني للجيش ببني مسوس، بإشراف السعيد شنقريحة، وبمشاركة مسؤولين حكوميين وعسكريين وخبراء مختصين.

إفريقيا بين التحديات الداخلية والتجاذبات الخارجية
لم يعد المشهد الأمني في إفريقيا، وفق ما طُرح خلال الملتقى، نتاجًا لعوامل داخلية فقط، بل أصبح ساحة لتقاطع أجندات دولية تتنافس على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية. هذا التداخل المعقد، الذي يتخذ أحيانًا شكل “صراع صامت”، يفاقم من هشاشة بعض الدول ويُعيد تشكيل الأزمات بطرق تتجاوز حدودها الوطنية.
وأشار المتدخلون إلى أن النزاعات الداخلية غالبًا ما تُستغل من قبل قوى خارجية، سواء عبر دعم أطراف معينة، أو الدفع نحو مسارات انفصالية، أو حتى فرض ترتيبات سياسية لا تحظى بإجماع وطني، وهو ما يعمّق الأزمات بدل حلّها.
المقاربة الجزائرية: الأمن من الداخل
في هذا السياق، تسعى الجزائر إلى بلورة مقاربة قائمة على مبدأ أساسي: “الأمن يبدأ من الداخل”. فتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار السياسي، وبناء اقتصاد قوي، كلها عناصر تُشكل، بحسب الرؤية الجزائرية، خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات.
وترتكز هذه المقاربة على مجموعة من المبادئ، من أبرزها:
- احترام سيادة الدول ورفض أي تدخل خارجي مفروض
- دعم الحلول السياسية والحوار بدل الخيارات العسكرية
- تعزيز التعاون الإفريقي المشترك
- إقامة شراكات متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة
هذه المبادئ تتقاطع مع توجهات السياسة الخارجية التي يقودها عبد المجيد تبون، والتي تضع إفريقيا في صلب أولوياتها الدبلوماسية.
مناعة سيادية في مواجهة الاختراق
أحد أبرز المفاهيم التي طُرحت خلال الملتقى هو “المناعة السيادية”، أي قدرة الدول الإفريقية على حماية قراراتها واستقلالها السياسي والاقتصادي. وتُعد هذه المناعة، بحسب الخبراء، شرطًا أساسيًا للخروج من دوامة الأزمات المتكررة.
فالضعف البنيوي لمؤسسات الدولة، والانقسامات السياسية، والاعتماد المفرط على الخارج، كلها عوامل تجعل بعض الدول عرضة للاختراق والتأثير الخارجي، ما يُطيل أمد النزاعات ويُعقّد فرص التسوية.
الجزائر ودورها في إفريقيا
لا تأتي هذه المبادرة في فراغ، بل تعكس تاريخًا طويلًا للجزائر في دعم حركات التحرر وتعزيز السلم في القارة. واليوم، تسعى الجزائر إلى إعادة تفعيل هذا الدور عبر أدوات جديدة، تجمع بين الدبلوماسية، والتعاون الأمني، والمبادرات التنموية.
كما يبرز هذا التوجه في سعي الجزائر إلى تعزيز العمل الإفريقي المشترك، والدفع نحو حلول “إفريقية للمشاكل الإفريقية”، بعيدًا عن الوصاية أو التبعية.
نحو رؤية عملية
لم يقتصر الملتقى على الطرح النظري، بل شهد أيضًا تقديم مداخلات وأوراق بحثية من خبراء وأكاديميين، ناقشت التحديات الأمنية في مناطق مختلفة من القارة، واقترحت آليات عملية لتفعيل المقاربة الجزائرية على أرض الواقع.
ومن المنتظر أن تُترجم هذه النقاشات إلى توصيات يمكن أن تُشكل أساسًا لسياسات مستقبلية، سواء على المستوى الوطني أو في إطار التعاون الإفريقي.
خاتمة
في عالم تتزايد فيه التحديات العابرة للحدود، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربات جديدة تعيد الاعتبار لدور الدول الإفريقية في رسم مستقبلها. ومن خلال هذه المبادرة، تحاول الجزائر أن تقدم نموذجًا يقوم على التوازن بين السيادة والتعاون، وعلى الإيمان بأن الأمن المستدام لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل.
المصادر
- بيان وزارة الدفاع الوطني الجزائرية
- تصريحات رسمية خلال الملتقى الوطني حول الأمن والسلم في إفريقيا
- تغطيات إعلامية وطنية جزائرية