تتواصل المفاوضات الأميركية الإيرانية وسط مؤشرات متضاربة بشأن قرب التوصل إلى تفاهم سياسي قد يكرّس وقف الحرب الدائرة منذ أسابيع، في حين وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب فريقه التفاوضي إلى عدم التسرع في إبرام اتفاق مع طهران، رغم الحديث المتزايد عن تقدم في المشاورات.
وتشير التسريبات المتداولة في الإعلام الأميركي والإيراني إلى أن الطرفين يقتربان من استكمال “مذكرة تفاهم” تمهّد لمرحلة تفاوضية جديدة، لكن خلافات تتعلق بصياغة بعض البنود لا تزال تعرقل الإعلان الرسمي عنها.
مقترح بانتظار الرد الإيراني
بحسب ما نقلته واشنطن بوست عن مصدر دبلوماسي مطلع، فإن أحدث نسخة من المقترح الأميركي تنتظر موافقة الجانب الإيراني.
ويتضمن المقترح، وفق المصدر نفسه، التزامًا إيرانيًا بإعادة فتح مضيق هرمز فور توقيع مذكرة التفاهم، مع اتخاذ إجراءات تضمن عودة حركة الملاحة البحرية إلى مستويات ما قبل الحرب خلال فترة تصل إلى 30 يومًا.
ويعكس هذا البند الأهمية الاستراتيجية للمضيق، الذي تحول خلال الأشهر الماضية إلى أحد أبرز عناوين المواجهة بين واشنطن وطهران، نظراً لدوره المحوري في تجارة الطاقة العالمية.
أيام إضافية لحسم النص النهائي
في المقابل، نقلت شبكة سي إن إن عن مسؤول أميركي أن الانتهاء من صياغة مذكرة التفاهم قد يحتاج إلى “بضعة أيام إضافية”، مشيرًا إلى أن واشنطن لا تزال تعمل على تسوية نقطتين خلافيتين تقريبًا داخل النص النهائي.
وأوضح المسؤول أن مدة التأخير تعتمد على سرعة استجابة إيران لبعض الملاحظات الأميركية المتعلقة بالصياغة القانونية والسياسية للوثيقة.
كما كشف أن التوصل إلى اتفاق نهائي قد يتبعه توقيع علني يجمع مسؤولين أميركيين وإيرانيين، يعقبه مباشرة إطلاق جولة تفاوضية جديدة حول المرحلة التالية من التفاهم.
عقدة اليورانيوم عالي التخصيب
رغم التركيز الإعلامي على مضيق هرمز والعقوبات، يبقى ملف اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب القضية الأكثر حساسية في المفاوضات.
وتتزايد التساؤلات بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الذي تعتبره واشنطن معيارًا أساسيًا للحكم على أي اتفاق مستقبلي.
ويرى كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق يسري أبو شادي أن طهران أظهرت منذ جولات التفاوض السابقة استعدادًا مبدئيًا للعودة إلى ترتيبات قريبة من اتفاق عام 2015، بما يشمل خفض مستويات التخصيب والتعامل مع المواد النووية الحساسة.
غير أن الرواية الإيرانية تختلف بشكل واضح، إذ تؤكد طهران أنها لم تقدم حتى الآن أي التزامات تنفيذية تتعلق بتسليم مخزون اليورانيوم أو تفكيك المنشآت النووية.
روايتان لاتفاق واحد
تحولت التسريبات حول الاتفاق المحتمل إلى معركة روايات بين الإعلام الأميركي والإيراني.
ففي حين تقدم وسائل الإعلام الأميركية التفاهم بوصفه إطارًا مرحليًا يربط إعادة فتح مضيق هرمز بتفاهمات نووية وأمنية أوسع، تصفه وسائل إعلام إيرانية بأنه اتفاق أولي يهدف إلى إنهاء الحرب ورفع الحصار البحري دون التزامات نووية مباشرة.
ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤول أميركي أن واشنطن وطهران توصلتا بالفعل إلى اتفاق مبدئي بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، لكن طهران سارعت إلى التأكيد أن التفاهم النهائي لم يُنجز بعد.
الأصول المجمدة والعقوبات
من جهتها، شددت وكالة “تسنيم” الإيرانية، نقلًا عن مصادر مطلعة، على أن طهران ترفض ربط الإفراج عن أصولها المجمدة بالخلافات المتعلقة بالمواد النووية المخصبة.
وتصر إيران على ضرورة الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة منذ بداية أي إعلان محتمل عن التفاهم، معتبرة أن المكاسب الاقتصادية يجب ألا تُؤجّل إلى المراحل اللاحقة.
وتكشف هذه النقطة عن فجوة تفاوضية مهمة: فبينما تطالب إيران بخطوات اقتصادية مبكرة، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى اعتماد مبدأ “التنفيذ مقابل التنفيذ” وربط أي تخفيف للعقوبات أو تحرير للأموال بتطبيق الالتزامات الأمنية والنووية.
لبنان حاضر في الخلفية
تزامن الحراك التفاوضي مع استمرار التوتر الإقليمي، حيث أفاد مراسل الجزيرة بشن غارات إسرائيلية على بلدات في جنوب لبنان، في مؤشر على أن المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران لا ينفصل عن ملفات المنطقة الأوسع.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت التسوية المرتقبة ستقتصر على الملفات الأميركية الإيرانية المباشرة، أم ستشمل أيضًا ترتيبات تتعلق بالساحات الإقليمية المتشابكة.
ورغم الحديث عن تقدم تفاوضي، لا تزال المؤشرات الحالية توحي بأن الاتفاق النهائي لم يُحسم بعد، وأن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى تسوية سياسية أوسع أم إلى تمديد مرحلة الغموض والتجاذب.
المصادر:
- الجزيرة مباشر، تحديثات 24–25 مايو/أيار 2026.
- Washington Post، نقلًا عن مصدر دبلوماسي مطلع.
- CNN، نقلًا عن مسؤول أميركي.
- New York Times، نقلًا عن مسؤول أميركي.
- وكالة تسنيم الإيرانية.
