عالم الآثار و الباحث في التراث الثقافي الجزائري عبد القادر دحدوح للأوراس تيفي

تتحدث في حوارنا اللطيف عن التراث الثقافي الجزائري و أهمية تسجيله و توثيقه و العمل على جعله قطاعا منتجا في بلادنا التي لها من المؤهلات ما يجعلها قبلة للسياحة التراثية.


1 مرحبا بك معنا في قناة اوراس تيفي:
شكرا جزيلا لكم على هذه الدعوة الكريمة والاستضافة الطيبة في قناة اوراس تيفي
2 الاستاذ عبد القادر دحدوح مختص اكاديمي في حماية التراث و له تجربة طويلة ، منها مشاركتكم في شهر التراث ككل عام ،حدثنا عن مشاركتك في شهر التراث 2026 .
بكل صدق يمثل شهر التراث من كل سنة مناسبة جد هامة للتعريف والتحسيس والتوعية والترويج لتراثنا الثقافي وترسيخ ثقافة زيارة المعالم والمواقع والمتاحف الأثرية والتاريخية خاصة لدى الأجيال الصاعدة، وككل سنة تبرمج وزارة الثقافة والفنون من خلال مختلف الهيئات والمؤسسات التابعة لها العديد من التظاهرات العلمية والثقافية طيلة الشهر الذي يبدأ بيوم 18 أفريل المصادف لليوم العالمي للتراث، وينتهي بيوم 18 ما ي المصادف لليوم العالمي للمتاحف، تظاهرات تشمل ملتقيات، ندوات، معارض، عروض، تبدلات ثقافية، زيارات وخرجات لفائدة التلاميذ والطلبة وغيرهم، دورات تكوينية وغيرها من النشاطات، وبصفتي باحث في التراث الثقافي أشارك في عدد من هذه التظاهرات خاصة العلمية منها، حيث كانت لي مشاركة في ندوة وطنية من تنظيم مديرية الثقافة لولاية الوادي، وقدمت محاضرة بالمتحف العمومي سيرتا قسنطينة، ومحاضرة في المتحف العمومي شرشال، وندوة من تنظيم مديرية الثقافة والفنون لولاية توقرت، كما كانت لي مداخلات تلفزيونية وإذاعية وحوارات و تصريحات لجرائد وطنية.
والجدير بالذكر أنه خلال هذه السنة اختارت الوزارة احتفالا بشهر التراث إشكالية ومحاور متنوعة تشمل:
تعزيز جهود الدولة في حماية وترقية التراث الثقافي
التراث الجزائري في ظل التحديات العالمية
مسؤولية الأجيال في صون الهوية الوطنية
الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة في حفظ وتثمين التراث الثقافي
التراث الثقافي كرافد للتنمية المستدامة
وهي محاور في غاية الأهمية تستجيب لمقتضيات العصر وتوجهات الدولة وخاصة رؤية السيد رئيس الجمهورية نحو تعزيز دور الثقافة في الاقتصاد الوطني، وصون الذاكرة والهوية الوطنية التي أولى لها السيد الرئيس عناية خاصة وحققت مكاسب تاريخية في عهده.
3 انتم الان تجاوزتم مرحلة الدفاع عن التراث إلى تجسيد التراث الثقافي في التنمية . ماذا تقول لنا في هذا الشأن؟
لا يخفى على أحد دور التراث الثقافي في دعم التنمية المستدامة، ومساهمته في تنويع الاقتصاد الوطني للكثير من الدول، حيث تبلغ نسبة إيرادات صناعة السياحة في تونس 23% من مجموع الصادرات بقيمة حوالي 04 مليار دولار سنويا، وفي تركيا نسبة 19% بقيمة 41 مليار دولار، وفي فرنسا 11% بقيمة 72,5 مليار دولار، وهي أرقام كبيرة جدا وواضحة وضوح الشمس على مدى أهمية السياحة في بناء اقتصاد الدول، بينما في الجزائر تتراوح نسبة إيرادات السياحة بين 0,2 إلى 0,9% من مجموع الصادرات بمجموع أقل من 0,5 مليار دولار، بالرغم مما تزخر به الجزائر من تراث ثقافي ثري ومتنوع ضارب في أعماق التاريخ، إذ يزيد عمر أقدم موقع أثري عن 2,4مليون سنة من الزمن، وأزيد من 15 ألف موقع أثري منها 7 مصنفة على قائمة التراث العالمي، و 12 قيد التسجيل، فضلا عن التراث الثقافي غير المادي الذي هو الآخر يتسم بالثراء والتنوع الكبير سواء في المعارف والمهارات والممارسات التي يتوارثها الجزائريون جيلا عن جيل ولا تزال متجذرة فينا الى يومنا هذا منذ عصور ما قبل التاريخ، على غرار مثلا صناعة الفخار التي لا تزال جداتنا وأمهاتنا في الأرياف تصنعها وفق تقنيات ووسائل بدائية ترجع الى عصور ما قبل التاريخ، وهكذا مع باقي الحرف والفنون والعادات والتقاليد والأعراف واللباس وأطباق الطعام والشراب والعادات المرتبطة بالفلاحة والكون عامة والألعاب الشعبية واللغة واللهجات والأشعار والحكم والامثال وغيرها.
إن هذا الزخم الكبير من التراث الثقافي يمكنه أن يشكل رافدا اقتصاديا مهما لبلادنا، خاصة في ظل التقلبات الكبرى التي يشهدها سوق المحروقات وغيرها من الموارد الطبيعية التي تتأثر بمختلف الظروف العالمية السياسية والاقتصادية والتوجهات الإقليمية وغيرها.
4 العمل الذي تقوم به مختلف الوزارات كالثقافة و السياحة يدخل في هذا الشأن أليس كذلك ؟
بالتأكيد تبذل وزارة الثقافة والفنون، وزارة السياحة والصناعات التقليدية ووزارة المجاهدين وذوي الحقوق ومصالح الأمن والدرك الوطني والجمارك جهودا كبيرة كل في اختصاصه لحماية التراث الثقافي وصونه لضمان نقله الى الأجيال القادمة، حيث تسهر وزارة الثقافة بشكل كبير على صيانة وترميم التراث الثقافي وتصنيفه وطنيا ودوليا، ومواجهة محاولات السطو على تراثنا إلى جانب ما تبذله الديبلوماسية الجزائرية في هذا الشأن على مستوى مختلف الهيئات الدولية،

بينما تلعب وزارة المجاهدين دورا كبيرا في حماية تراثنا التاريخي وذاكرتنا الوطنية التي ترجع الى حقبة المقاومة والثورة التحريرية المجيدة، بما فيها المتاحف ومراكز التعذيب وغيرها، كما تلعب وزارة السياحة والصناعات التقليدية دورا مهما في الترويج لمقومات الجذب السياحي بما فيها السياحة الثقافية، فضلا عن رعايتها لتطوير وتنمية الحرف والصناعات التقليدية، دون أن ننسى المجهودات الجبارة التي تبذلها مصالح الدرك والأمن الوطني في حماية التراث الثقافي من التخريب والتهريب والتدمير والسرقة والنهب والمتاجرة غير القانونية.
وزارات التربية الوطنية، والتكوين المهني، والتعليم العالي وما يتبعها من مؤسسات تكوين وتربوية ومخابر ومراكز بحث كلها تساهم بشكل كبير في غرس ثقافة السياحة والتراث والهوية الوطنية ودعم البحث وتكوين إطارات ترعى تسيير وإدارة التراث الثقافي.
وسائل الاعلام هي الأخرى لها دور بالغ الأهمية في التعريف بتراثنا الثقافي والترويج له والتحسيس والتوعية لدى مختلف أوساط المجتمع وهي مسألة ضرورية لضمان التسويق الأمثل لتراثنا.
5 لا نريد أن نتحدث حاليا عن نتائج تكريس التراث الثقافي الجزائري في خدمة الاقتصاد الوطني لأن الوضع الحالي يتحتم علينا حمايته أولا . اريد ان أسألك الأستاذ عبد القادر دحدوح عن أليات الحماية الفعالة أخرى في ظل تهديد السرقة المستمر ؟
أشرتم الى نقطة جد مهمة ترتبط بمحاولات السطو على تراثنا من قبل أطراف خارجية تسعى بكل ما أوتيت من قوة تسجيل وتصنيف عناصر من تراثنا الثقافي لدى منظمة اليونيسكو، على غرار ما فعلته مع بعض العناصر مثل موسيقى قناوة، و”تبوريدة” أو الفنتازيا و “القفطان”، فضلا عن سعيها لتسجيل عناصر أخرى، لكن تبقى الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة ووزارة الخاريجية كبيرة تقف حجرة عثرة أمام هذه المحاولات البائسة، وفي كل سنة تقوم وزارة الثقافة بتسجيل على الأقل عنصرا جديدا في قائمة التراث العالمي، حيث أودعت في الفترة الأخيرة ملفات الزليج ، الحلي القبائلي، العود، صناعة السلال والسعف والألياف النباتية، فضلا عن صناعة الفخار والبلوزة الوهرانية التي هي ملفات قيد التحضير.
إن دعم البحث واستحداث آلية التصنيف الوطني للتراث الثقافي غير المادي تعد من الآليات الضرورية التي ستساهم بشكل كبير في حماية وصون تراثنا الثقافي فضلا عن دوره في التصدي لمحاولات سطو تراثنا، إن البحوث العلمية الأكاديمية التي تهتم بالبحث في الأصول والجذور التاريخية لمختلف عناصر تراثنا الثقافي والبحث عن الدلائل المادية له أهمية بالغة في مواجهة مثل هذه المحاولات.
6 مساعي وزارة الثقافة الحثيثة و خاصة الوزيرة شخصيا من خلال تفاعلها مع محاولات الاعتداء على ممثلي الجزائر في المهرجانات الدولية لقت ترحابا واسعا خاصة انها جاءت ردود ممتازة و مدعمة برسائل مبطنة للمدافعين عن التراث الثقافي الجزائري بالداخل و الخارج و ايضا رسائل إلى الذين يحاولون عبثا كبح الطريق امام انتشار التراث الثقافي الجزائري و التعريف به في العالم ! ما هو تعليقك في هذه الردود ؟
ما قامت به وزارة الثقافة والفنون والسفارة الجزائرية بباريس أمر بالغ الأهمية وقد منح ثقة أكثر لممثلي الجزائر في المحافل الدولية وخاصة المعارض الفنية والثقافية، وفي نفس الوقت أثبتت الاعتداءات التي شهدها الأسبوع الثقافي الافريقي بمقر اليونيسكو عن حالة الإحباط التي يعيشها الطرف المعتدي بعد فشله في اثبات أحقيته بعناصر تراث وهوية مصطنعة ومنهوبة، وهي تعبر عن عقدة اتجاه الجزائر وتراثها وهويتها، فضلا عن محاولاته البائسة في المساس بالأمن الثقافي للجزائر وخلق الفتنة بين أفراد الأمة الواحدة.
7 نريد معرفة وجهة نظركم كباحث في التراث الثقافي الجزائري في عمليات التسجيل التي تقوم بها وزارة الثقافة مستقبلا و اهميتها في توثيف تراثنا الوطني في المدى القريب و المتوسط ؟
إن تسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على مستوى قائمة التراث العالمي تشهد جهودا جبارة وتحقق الجزائر مراتب جد متقدمة عالميا وعربيا وافريقيا، حيث تحتل المركز 21 عالميا، والمركز 2 افريقيا، والمركز 7 عربيا، غير أن عملية تسجيل التراث الثقافي المادي تشهد تأخرا كبيرا، إذ لم تسجل الجزائر منذ سنة 1992 ولا معلم أو موقع أثري ضمن قائمة التراث العالمي، حتى القائمة الإضافية لم يتم تحيينها والاضافة اليها منذ سنة 2003 إلا مؤخرا خلال السنة الماضية 2025 حيث تم تدعيم القائمة التي كانت تضم 6 ملفات لتصبح 12 ملفا من بينها ملف تصنيف المسار السياحي على خطى القديس اوغسطين.
8 كلمة اخيرة أستاذ:
كلمتي الأخيرة هو أن حماية التراث الثقافي مسؤولية الجميع، وأن التراث الثقافي ينبغي أن نغير نظرتنا اليه من كنز نخشى ضياعه الى كنز نصونه ونستثمر فيه على غرار ما هو معمول به في الكثير من الدول لننتقل به من قطاع مستهلك الى قطاع منتج للثروة.

Exit mobile version