رغم مرور 33 يوما على توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، فإن الشرق الأوسط يبدو اليوم أبعد ما يكون عن أجواء التهدئة التي رافقت الإعلان عن الاتفاق. فالميدان يشتعل بضربات أمريكية جديدة، وإيران ترد سياسيا وعسكريا، بينما تنشط قنوات الوساطة في محاولة أخيرة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تمتد آثارها من الخليج إلى أسواق الطاقة العالمية.
التطورات التي شهدها يوم الاثنين تعكس بوضوح أن مذكرة التفاهم دخلت مرحلة اختبار غير مسبوقة، بعدما وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية داخل الأراضي الإيرانية، مستهدفة مواقع في بوشهر وأصفهان ومحيط تبريز، وسط مؤشرات على استعداد واشنطن لتوسيع نطاق عملياتها إذا استمرت طهران في الرد على القواعد والمصالح الأمريكية.
وفي المقابل، لم تبد القيادة الإيرانية أي استعداد للتراجع. فقد أكد الرئيس مسعود بزشكيان أن بلاده لم تقدم أي تنازل في بنود الاتفاق، معتبرا أن معظم بنوده تصب في مصلحة إيران وتحفظ حقوقها السيادية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن البلاد تعيش ظروف حرب تتطلب إدارة استثنائية وتوافقا بين مختلف مؤسسات الدولة لمواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.
وفي رسالة حملت بعدا سياسيا واضحا، كشف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الوسطاء الإقليميين والدوليين يواصلون جهودهم لمنع التصعيد، وأن طهران تلقت بالفعل مقترحات جديدة، دون الإفصاح عن تفاصيلها. ويعكس هذا التصريح وجود حراك دبلوماسي موازٍ للمواجهة العسكرية، في محاولة للإبقاء على خيط التواصل بين الطرفين رغم تصاعد العمليات الميدانية.
لكن لغة السياسة لم تطغ على لغة السلاح. فقد اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الولايات المتحدة بمواصلة إرسال التعزيزات العسكرية إلى المنطقة بينما تتحدث عن وقف الحرب، معتبرا أن الأفعال الأمريكية تنسف أي حديث عن التهدئة، وأن طهران باتت أكثر قدرة على قراءة ما وصفه بـ”الألاعيب الأمريكية”.
في الضفة الأخرى، تكشف التقارير الواردة من واشنطن أن الإدارة الأمريكية تدرس توسيع عملياتها العسكرية، رغم اعتراف مسؤولين بوجود ضغوط على مخزون الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي. كما تتواصل عمليات نقل الطائرات العسكرية إلى المنطقة، بالتزامن مع استعدادات إسرائيلية لاستقبال مزيد من طائرات التزود بالوقود، في مؤشر على أن سيناريو التصعيد الواسع لا يزال مطروحا بقوة.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الولايات المتحدة وإيران، بل امتدت إلى دول الخليج، حيث أعلنت البحرين اعتراض عدة هجمات جوية إيرانية، قبل أن تدين المنامة استهداف منشآتها المدنية وأنظمة الملاحة الجوية، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ موقف أكثر حزما تجاه طهران. كما رفعت الكويت مستوى التأهب الأمني، بينما دعت الصين إلى وقف استهداف المنشآت المدنية والعودة إلى المسار الدبلوماسي، في محاولة لاحتواء اتساع دائرة الصراع.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد بدأت تداعيات المواجهة تنعكس بشكل مباشر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعدما أظهرت بيانات الشحن تراجعا في أعداد السفن العابرة للممر البحري الحيوي، بالتزامن مع تعرض سفينة قرب السواحل العمانية لهجوم أدى إلى اندلاع حريق فيها. ويعزز هذا الواقع المخاوف من اضطرابات جديدة في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية بالقرب من خطوط الملاحة الدولية.
وفي إسرائيل، تتزايد المخاوف من دخول مرحلة أكثر خطورة، حيث يستعد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لعقد اجتماع أمني طارئ، فيما يتوقع مسؤولون إسرائيليون أن يشهد الأسبوع الجاري تصعيدا جديدا، مدفوعا باستمرار الحشود العسكرية الأمريكية والإيرانية على حد سواء.
وتشير مجمل المؤشرات إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق بالغ الحساسية؛ فمن جهة، تتواصل العمليات العسكرية بوتيرة متصاعدة، ومن جهة أخرى، تتحرك الوساطات السياسية في سباق مع الزمن لمنع انهيار مذكرة التفاهم بالكامل. غير أن اتساع رقعة الاشتباكات، واستمرار تبادل الضربات، وتراجع الثقة بين الطرفين، يجعل فرص العودة السريعة إلى طاولة التفاوض أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، ويضع الشرق الأوسط أمام مرحلة قد تعيد رسم موازين القوى إذا ما خرجت المواجهة عن حدودها الحالية.
المصادر:
- الجزيرة – التغطية المباشرة لتطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران (20 جويلية 2026).
- تصريحات الرئاسة الإيرانية، ووزارة الخارجية الإيرانية، والقيادة العامة لقوة دفاع البحرين، وتقارير إعلامية دولية واردة ضمن التغطية المباشرة.
