✍️ بقلم الكاتب: رشيد راجعي
لا تزال الساحة السياسية والإعلامية في المنطقة تشهد سجالًا محتدمًا عقب التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي أكد فيها موقف بلاده الرافض لأي مساس بأمن تونس واستقرارها. وقد استندت نبرة التحدي والردع التي صيغت بها تلك التصريحات إلى طبيعة الأخطار المحدقة بالمنطقة، فقرأها قطاع واسع على أنها دعامة استراتيجية وصمام أمان لمحيط إقليمي مضطرب.
غير أن اللافت كان مسارعة بعض القوى والأصوات السياسية التونسية المعارضة في الخارج إلى إطلاق صيحات الفزع، معتبرة هذه التصريحات “تدخلًا في الشأن الداخلي” وتطاولًا على “السيادة الوطنية”.
إن هذا التشنج المفاجئ يفتح الباب أمام قراءة سياسية ونفسية أعمق لمفهوم السيادة لدى بعض النخب؛ فلماذا تُستنفَر الكرامة الوطنية وتُقام القيامة لمجرد تصريح يصدر من عمق جغرافي وتاريخي واحد، بينما تخرس الأقلام وتتوارى الغيرة نفسها أمام قرارات وتصريحات عواصم القرار الغربي؟
ذاكرة الأرشيف: أين كانت “السيادة” أمام تصريحات الأجانب؟
حين نعود إلى الأرشيف القريب ونقرأ المواقف في سياقها المقارن، نكتشف حجمًا هائلًا من الازدواجية السياسية. فالتاريخ القريب يسجل تصريحات ومواقف صادرة عن أطراف أجنبية وإقليمية تناولت الشأن التونسي بعبارات لا تحتمل التأويل، لكنها مرت بردًا وسلامًا، دون أن تُسيل قطرة حبر واحدة من غيرة هؤلاء السياسيين.
- عبد الفتاح السيسي (11 أبريل 2021): صرح علنًا بأن “أمن تونس واستقرارها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، ونحن على أتم الاستعداد لنقل خبراتنا وتعزيز التعاون الأمني الكامل لحمايتها”.
- وزارة الخارجية الأمريكية (10 يوليو 2015): أعلنت رسميًا منح تونس صفة “حليف رئيسي خارج حلف الناتو” (MNNA)، وجاء في بيانها: “إن وضع حليف رئيسي خارج حلف الناتو يرسل إشارة قوية حول دعمنا لقرار تونس الانضمام إلى الديمقراطيات في العالم، ويسلط الضوء على القيمة التي تضعها الولايات المتحدة في صداقتها مع حكومة وشعب تونس”.
- ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف الناتو (19 مايو 2016)، صرح بوضوح لا يكتنفه الغموض: “إن بناء المؤسسات الدفاعية والأمنية في تونس هو مفتاح الاستقرار في المنطقة. يلتزم الناتو بتقديم الدعم الاستشاري والتدريبي للقطاع الأمني التونسي، وتطوير قدرات القوات الخاصة التونسية في ردع التهديدات الإرهابية وتأمين الحدود”.
تلك التصريحات والالتزامات الأجنبية المباشرة لم يُنظر إليها باعتبارها “تجاوزًا للخطوط الحمراء” ولا “وصاية عسكرية”، بل صُنفت بعناية تحت بند “الشراكة الاستراتيجية والدولية”. فأين كانت هذه الحساسية المفرطة تجاه “السيادة” حين كان الأمين العام لحلف الناتو يتحدث جهارًا عن تأمين حدود البلاد وتدريب قواتها الخاصة؟
الملاكمة ضد الشقيق… والصمت أمام الغريب
إن المشهد السياسي العربي يعاني منذ عقود من “عقدة الاستقواء على الأخ”. فنرى الشراسة والغيرة الوطنية تتفجران فجأة عندما يعبر مسؤول عربي، بحسن نية، عن حرصه على استقرار جاره وحدوده المشتركة، بينما تنخفض هذه الشجاعة إلى أدنى مستوياتها أمام القوى الأجنبية.
لقد شهد العالم تصريحات مهينة ومباشرة وُجهت إلى الذات العربية برمتها، بدءًا من الخطابات الاستعلائية التي أطلقها دونالد ترامب، وصولًا إلى التصريحات اليومية للمسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، الذين لم يكتفوا بإهانة الخطاب العربي، بل مارسوا أبشع صور العدوان والمساس اليومي بالكرامة والسيادة في غزة وفلسطين المحتلة.
وفي تلك المحطات الفاصلة، كانت ردود فعل كثير من النخب تقتصر على “التحفظ الخجول” أو “الدبلوماسية الناعمة”، إن لم تغرق في الصمت التام. نبتلع الإهانة القادمة من الغرب لأنه قوي، ونفتعل المعارك مع الشقيق لأننا نستسهل الشجار معه.
التداخل الأمني أم التدخل السياسي؟
إن القراءة السياسية الرشيدة تقتضي التمييز بين “التدخل السافر” و**”الأمن القومي المترابط” (Integrated Security)**. فالجزائر وتونس لا تجمعهما حدود مرسومة على الخريطة فحسب، بل يجمعهما شريط أمني يتجاوز ألف كيلومتر، وتاريخ طويل من الامتداد الديموغرافي والاجتماعي.
وحين يتحدث رئيس دولة جارة عن أن “المساس بأمن تونس هو مساس بأمن بلاده”، فإنه ينطلق من واقع جيوسياسي فرضته تحديات منطقة الساحل والاضطرابات الإقليمية، التي إذا اشتعلت فلن تسلم منها دولة دون أخرى.
إن محاولة تصوير هذا الحرص التكاملي على أنه “وصاية” ليست سوى نتاج ثقافة الشك السياسي والتجاذبات الضيقة، التي تُحلل للأجنبي البعيد ما تُحرمه على الأخ القريب.
