إعلام جزائري أكثر يقظة  نحو صناعة رواية وطنية تواجه حروب السرديات

اختُتمت بمدينة وهران أشغال الدورة الأولى للجامعة الصيفية للمنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين، في محطة إعلامية حملت أكثر من دلالة، بعدما جعلت من موضوع «الإعلام الوطني في مواجهة حروب السرديات» محورًا للنقاش والتكوين وتبادل الخبرات، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإعلامي العالمي.
ولم تكن الجامعة الصيفية مجرد لقاء تكويني عابر، بل شكلت فضاءً لطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الصحافة الجزائرية، وقدرتها على مواكبة عصر السرعة الرقمية والذكاء الاصطناعي، والتعامل مع سيل المعلومات والأخبار المتداولة عبر المنصات الرقمية، خاصة في ظل تنامي ظاهرة التضليل الإعلامي ومحاولات التأثير في الرأي العام من خلال صناعة روايات موجهة.
وقد عرفت أشغال الدورة مشاركة صحفيين وإعلاميين وأساتذة وأكاديميين ومختصين في الإعلام والاتصال والتحولات الرقمية، حيث ناقش المشاركون جملة من القضايا المرتبطة بالتحقق من الأخبار، وصناعة المحتوى الرقمي، والصحافة المعتمدة على البيانات، إلى جانب الاستخدام المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
من نقل الخبر إلى صناعة المعلومة الموثوقة


أبرزت النقاشات أن الصحفي الجزائري لم يعد مطالبًا فقط بنقل الخبر، وإنما أصبح أمام مسؤولية أكبر تتمثل في التحقق والتحليل والتفسير ومواجهة الأخبار المضللة، خصوصًا وأن منصات التواصل الاجتماعي باتت ساحة مفتوحة تتنافس فيها الروايات والمعلومات، وقد تختلط فيها الحقيقة بالإشاعة، والمعلومة بالتضليل.
وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تطوير أدوات العمل الصحفي، وتكوين الصحفيين في مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، حتى يصبح الإعلام الوطني أكثر قدرة على اكتشاف المحتويات المفبركة، وتحليل مصادر المعلومات، وتتبع مسارات الأخبار، وتقديم مادة إعلامية دقيقة وموثوقة للجمهور.
فالسرعة لم تعد وحدها معيار النجاح الصحفي، وإنما أصبحت المصداقية والدقة والقدرة على التحقق عناصر أساسية في بناء الثقة بين الإعلام والمواطن.
الذكاء الاصطناعي… فرصة تحتاج إلى ضوابط
وتوقفت أشغال الجامعة الصيفية عند التحول الكبير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في المهنة الصحفية، باعتباره أداة يمكن أن تساعد الصحفي في البحث والتحليل ومعالجة البيانات وإنتاج المحتوى، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات مهنية وأخلاقية جديدة.
ومن هنا برزت الدعوة إلى وضع قواعد واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية، بما يحفظ استقلالية الصحفي ويضمن احترام أخلاقيات المهنة، ويمنع تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لإنتاج معلومات غير دقيقة أو محتويات مجهولة المصدر.
كما شدد المشاركون على أهمية الاستثمار في تكوين الصحفيين وتأهيلهم لمواكبة التحولات الرقمية، حتى لا يبقى الإعلام الجزائري مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل يتحول إلى طرف فاعل في إنتاج المعرفة والمعلومة وصناعة المحتوى الرقمي.
نحو مرصد وطني لحروب السرديات
ومن أبرز التوصيات التي خرجت بها الجامعة الصيفية، الدعوة إلى التفكير في إنشاء مرصد وطني متخصص في رصد التضليل الإعلامي وحروب السرديات، تكون مهمته متابعة ما يتم تداوله في الفضاء الإعلامي والرقمي، وتحليل المحتويات والمعلومات، والمساهمة في كشف الأخبار الكاذبة والمضللة.
كما طُرحت أهمية إعداد دليل مهني للصحفيين في البيئة الرقمية، يتضمن قواعد التحقق من الأخبار والمصادر، وأفضل الممارسات المتعلقة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التكوين في الصحافة الرقمية وصحافة البيانات والتحقق من المحتوى.
الإعلام الوطني أمام مسؤولية جديدة
إن التحولات التي يعرفها العالم اليوم جعلت من الإعلام جزءًا أساسيًا من معركة الوعي، ولم تعد حروب العصر تقتصر على الميدان التقليدي، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لمنشور أو صورة أو فيديو مجهول المصدر أن يصنع حالة من الجدل أو يؤثر في اتجاهات الرأي العام خلال دقائق.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء إعلام جزائري قوي لا يمر فقط عبر امتلاك الوسائل والتقنيات الحديثة، وإنما عبر صحفي محترف، متكوّن، مستقل في أدائه، دقيق في معلوماته، وواعٍ بحجم المسؤولية التي يتحملها.
وتأتي الجامعة الصيفية للمنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين لتفتح هذا النقاش في توقيت مهم، مؤكدة أن مواجهة حروب السرديات لا تكون بالصوت المرتفع، وإنما بالمعلومة الصحيحة، والتحقق المهني، والتحليل الرصين، والقدرة على صناعة رواية إعلامية وطنية تستند إلى الحقائق.
فالصحافة الجزائرية مطالبة اليوم بالانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن رد الفعل إلى الإعلام الاستباقي، ومن مجرد متابعة الأحداث إلى فهمها وتحليلها واستشراف تداعياتها.
[31-08-2026 11:50] Abdelkader Menouar: وفي زمن أصبحت فيه المعلومة قوة، وأصبحت الرواية جزءًا من معركة التأثير، فإن امتلاك إعلام وطني مهني ورقمي ومتطور لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لحماية الحقيقة وتعزيز الثقة وخدمة المجتمع والدولة.
#الصحفي_منور_عبدالقادر

Exit mobile version