تتصاعد أزمة مضيق هرمز مجددا، بعدما تعرضت ناقلة تابعة لشركة «أدنوك» الإماراتية لهجوم صاروخي أثناء عبورها المضيق، في تطور أعاد ملف الملاحة البحرية إلى واجهة التصعيد الإقليمي، بالتزامن مع تمسك إيران بشروطها لإعادة فتح أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأكدت شركة «أدنوك» استهداف إحدى سفنها بصاروخ خلال الساعات الأولى من صباح السبت، مشيرة إلى عدم تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم، والسيطرة على الوضع بعد الهجوم.
وأثار الهجوم موجة إدانات خليجية، إذ نددت الإمارات والسعودية وقطر والأردن باستهداف الناقلة، معتبرة أن الاعتداء يشكل تهديدا مباشرا لسلامة الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة العالمية. كما رفض مجلس التعاون الخليجي استخدام مضيق هرمز وسيلة للضغط والتهديد.
إيران تربط فتح هرمز بشروط سياسية
في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لإعادة حركة الملاحة إلى وضعها السابق من دون الحصول على مقابل سياسي واقتصادي.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني إن إعادة فتح مضيق هرمز مرهونة بقبول الولايات المتحدة شروط إيران والتخلي عن التدخل في مسار المفاوضات الإقليمية، مؤكدا أن المضيق يمثل بالنسبة لطهران عنصرا من عناصر القوة الجغرافية والاستراتيجية، وليس مجرد ممر اقتصادي.
وذهب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر إلى أبعد من ذلك، قائلا إن المضيق لن يفتح قبل أن تعدل واشنطن سلوكها، مطالبا برفع الحصار البحري وإبعاد القوات الأمريكية عن محيط إيران، إلى جانب رفع العقوبات ودفع تعويضات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
كما أكد الجيش الإيراني أن الوضع القائم في هرمز «لا رجعة فيه»، محذرا الولايات المتحدة من تكبد خسائر أكبر في حال رفضها التعامل مع الواقع الذي فرضته طهران.
مسار تفاوضي عبر سلطنة عُمان
وبينما تتشدد التصريحات الإيرانية، تتواصل المفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن إيجاد ترتيبات جديدة للملاحة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران ومسقط قريبتان جدا من التوصل إلى اتفاق بشأن طريق ملاحي جديد عبر مضيق هرمز، مشيرا إلى بحث مسار مؤقت لشحن البضائع، في وقت لم تعد فيه إيران تقبل بترتيبات المرور السابقة.
من جانبها، قالت الخارجية العمانية إن المفاوضات تسير في أجواء إيجابية وبناءة، داعية جميع الأطراف إلى تجنب أي خطوات من شأنها عرقلة التقدم المحرز.
وتشير التطورات إلى أن الإطار العام لاتفاق محتمل بين إيران وعُمان جرى التوافق عليه إلى حد كبير، غير أن الإعلان النهائي لا يزال مرتبطا بموافقة مستويات إيرانية أعلى.
واشنطن تنتظر ضمانات الملاحة
في واشنطن، تتعامل الإدارة الأمريكية بحذر مع الوعود الإيرانية بشأن إعادة تدفق النفط وحركة السفن.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن إيران أبلغت بلاده بأنها ستسمح بتدفق النفط بأقصى قدر عبر المضيق، ولن تفرض رسوم عبور، لكنه شدد على أن واشنطن لا تثق بهذه التعهدات قبل اختبارها ميدانيا.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل على وضع آلية لعبور آمن للسفن، مشيرا إلى أن الألغام التي تقول واشنطن إن إيران زرعتها في بداية الحرب تمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام استئناف الملاحة بصورة طبيعية.
وبحسب معطيات الملف، حققت المحادثات الإيرانية العمانية تقدما ملحوظا، وسط مؤشرات أمريكية على إمكانية رفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية بمجرد الإعلان عن اتفاق واستئناف حركة الشحن التجاري.
لكن واشنطن تتمسك بضمان حرية الملاحة ورفض فرض رسوم أو قيود على السفن، في وقت يبقى فيه تنفيذ أي اتفاق على الأرض الاختبار الأصعب أمام الطرفين.
بزشكيان يفتح نافذة للتفاوض
رغم التصعيد العسكري، حملت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسائل أكثر انفتاحا على المسار الدبلوماسي.
وقال بزشكيان إن الظروف الحالية قد تكون الأنسب للتوصل إلى اتفاق وتسوية القضايا عبر المفاوضات، مؤكدا أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن إنهاءها يتطلب الوصول في نهاية المطاف إلى نقطة تسوية.
وأكد أن طهران مستعدة لمواصلة التفاوض استنادا إلى مذكرة التفاهم، لكنها تطالب واشنطن بالاعتراف بحقوق إيران والتخلي عن حالة انعدام الثقة.
وفي الوقت نفسه، شدد بزشكيان على أن قرار الحرب ليس من صلاحيات الحكومة وحدها، مؤكدا دعم حكومته لأي قرار يتخذه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
كما نفى وجود خلافات بين الحكومة والمرشد أو القوات المسلحة، مؤكدا أن المؤسسات الإيرانية تتحرك ضمن موقف موحد في إدارة الحرب والمفاوضات.
إغلاق هرمز يضغط على أسواق الطاقة
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود المواجهة العسكرية، بعدما بدأت تظهر انعكاساتها على صادرات النفط والاقتصادات الإقليمية.
وقال وزير النفط العراقي حيان عبد الغني إن صادرات بلاده النفطية تراجعت بنسبة 75% بسبب إغلاق مضيق هرمز، موضحا أن بغداد تجري حوارا مع طهران للسماح باستئناف صادرات النفط، لكن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن.
وفي إيران، توقفت عمليات تحميل النفط في جزيرة خارك، في مؤشر على الصعوبات التي تواجه صادرات الطاقة الإيرانية نتيجة استمرار أزمة الملاحة.
وبذلك، يتحول مضيق هرمز إلى نقطة ضغط تتجاوز الحسابات العسكرية، لتطال إمدادات الطاقة وحركة التجارة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
التصعيد يمتد إلى جبهات أخرى
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى هرمز، تستمر تداعيات الحرب في جبهات إقليمية أخرى.
ففي لبنان، تواصل القصف الإسرائيلي على مناطق في الجنوب بعد انتهاء الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في روما دون تحقيق اختراق حاسم بشأن تنفيذ اتفاق الإطار.
كما تحدثت تقارير عن دمار واسع في قرى جنوب لبنان، مع تدمير آلاف المباني في عدد من المناطق، واستمرار العمليات الإسرائيلية في مناطق تصفها إسرائيل بأنها مرتبطة بالبنية التحتية لحزب الله.
وفي اليمن، أعلن الجيش اليمني تنفيذ عمليات ضد مواقع وقدرات تابعة للحوثيين، بينما اتخذ مجلس الدفاع الوطني قرارات لرفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية في مواجهة التصعيد.
هل يقترب الحل أم يتسع التصعيد؟
تكشف التطورات الأخيرة عن مسارين متوازيين في أزمة هرمز.
الأول عسكري، عنوانه استهداف السفن ورفع إيران سقف شروطها، مقابل تمسك واشنطن بحرية الملاحة ورفض تحويل المضيق إلى أداة ضغط.
أما المسار الثاني فهو دبلوماسي، تقوده سلطنة عُمان عبر محادثات مع طهران بهدف التوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف حركة السفن، في وقت تؤكد فيه التصريحات الإيرانية والأمريكية وجود اتصالات بشأن مستقبل الملاحة.
وبين المسارين، يبدو أن مضيق هرمز أصبح إحدى أهم أوراق التفاوض في الحرب، وأن إعادة فتحه لن تكون مجرد قرار تقني يتعلق بحركة السفن، بل جزءا من صفقة سياسية أوسع بين طهران وواشنطن.
وفي انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يبقى استهداف الناقلة الإماراتية مؤشرا على هشاشة الوضع، وعلى أن أي انفراجة في هرمز لا تزال مرتبطة بقدرة الأطراف على تحويل التصريحات السياسية إلى ترتيبات ميدانية قابلة للتنفيذ.
المصادر
- الجزيرة، التحديث المباشر لتطورات مضيق هرمز والحرب الأمريكية الإيرانية، 8 أغسطس 2026.
- تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن شروط إعادة فتح مضيق هرمز. – تصريحات إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات الملاحة.
- مواقف الدول الخليجية بشأن استهداف الناقلة الإماراتية.
- المعطيات المتعلقة بتداعيات إغلاق هرمز على صادرات النفط.
المحرر شريبط علي
