تدخل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة دبلوماسية جديدة، مع تكثف التحركات الإقليمية في طهران بحثا عن مخرج للحرب، في وقت بات فيه مضيق هرمز في صلب التجاذب السياسي والعسكري بين الطرفين.
وتزامنت التحركات مع زيارة رئيس الوزراء القطري إلى طهران وإجراء مباحثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بالتوازي مع جهود تقودها سلطنة عُمان وباكستان لفتح مسار تفاوضي يفضي إلى تفاهمات أمنية وملاحية، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
الدوحة تدخل على خط الأزمة
وأجرى رئيس الوزراء القطري مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، في إطار تحرك إقليمي يسعى إلى تقريب المواقف بشأن مستقبل الحرب والملاحة في الخليج.
وتكتسب الوساطة القطرية أهمية خاصة في ظل استمرار القطيعة السياسية بين واشنطن وطهران، إذ تحاول الدوحة، إلى جانب مسقط وإسلام آباد، بناء أرضية تفاوضية يمكن من خلالها احتواء التصعيد والانتقال من المواجهة العسكرية إلى التفاوض.
ولا تقتصر المباحثات على الملف النووي أو وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى قضية الملاحة في مضيق هرمز، الذي أصبح إحدى أبرز أوراق القوة في الأزمة.
طهران تربط هرمز بالتسوية
وتتعامل إيران مع مضيق هرمز باعتباره ورقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن مسار الحرب. فالمضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، يمثل نقطة اختناق حيوية للأسواق الدولية، وأي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس سريعا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا، فإن الحديث عن إعادة فتح المضيق بصورة مستقرة لا يبدو مجرد إجراء ملاحي، بل جزءا من معادلة سياسية أكبر مرتبطة بوقف الحرب والضمانات التي تطالب بها طهران.
وتسعى إيران، في المقابل، إلى منع تحويل ملف الملاحة إلى تنازل أحادي الجانب، خصوصا في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والحصار البحري والاقتصادي المفروض عليها.
بزشكيان يتمسك بمذكرة التفاهم
وفي مؤشر على إبقاء الباب مفتوحا أمام المسار السياسي، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تمسك بلاده بمذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن إيران لا تزال حذرة تجاه الولايات المتحدة.
ويكشف هذا الموقف عن واحدة من أكثر العقد تعقيدا في الأزمة: طهران تريد التفاوض، لكنها لا تثق بالضمانات الأمريكية.
وتخشى القيادة الإيرانية أن يؤدي أي اتفاق جديد إلى تخفيف الضغوط عنها مؤقتا، قبل أن تعود واشنطن إلى سياسة التصعيد والضغط الاقتصادي، ولذلك تبدو الضمانات وآليات تنفيذ أي اتفاق مقبلة في مقدمة أولويات طهران.
واشنطن ترفض الوساطات غير المباشرة
في الجانب الأمريكي، لا تبدو الصورة بنفس القدر من التفاؤل.
فبحسب مصدر أمريكي نقلت عنه الجزيرة، لا توجد حاليا مفاوضات أمريكية قائمة أو مجدولة مع طهران، كما أن واشنطن لا ترى أن الاتفاقات التي قد تبرم بين إيران وسلطنة عُمان تحمل أهمية بالنسبة إليها.
ويؤكد الموقف الأمريكي أن إدارة الرئيس ترمب لا تزال متمسكة بسياسة الضغط الأقصى، مع استمرار الإجراءات الهادفة إلى تقليص الموارد الاقتصادية التي تعتمد عليها إيران.
وتشير هذه المعطيات إلى أن واشنطن لا تريد منح الوسطاء الإقليميين قدرة على فرض تسوية منفصلة عن الحسابات الأمريكية، خصوصا في الملفات المرتبطة بالحرب والعقوبات والملاحة.
هرمز.. ساحة مواجهة غير مباشرة
ورغم الحديث عن فتح المضيق، فإن الوضع لا يزال معقدا.
فالمصدر الأمريكي أكد أن المضيق مفتوح حاليا بعد إزالة الألغام منه، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار الحصار البحري، ما يعني أن حرية الملاحة الكاملة لا تزال مرتبطة بالوضع العسكري والسياسي.
وهنا تتحول مياه الخليج إلى ساحة مواجهة غير مباشرة: إيران تملك القدرة على التأثير في أمن الملاحة، بينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقا عسكريا وبحريا يسمح لها بالضغط على طهران ومحاولة ضمان استمرار حركة السفن.
وبالتالي، فإن أي حادث أمني جديد في المضيق يمكن أن يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، حتى في حال استمرار القنوات الدبلوماسية.
قطر وعُمان وباكستان.. محاولة لمنع الانفجار
وتبرز في هذه المرحلة أدوار قطر وسلطنة عُمان وباكستان باعتبارها الأطراف الإقليمية الأكثر قدرة على التواصل مع مختلف أطراف الأزمة.
فالدوحة تمتلك قنوات اتصال متعددة، بينما تتمتع مسقط بخبرة طويلة في الوساطة بين واشنطن وطهران، في حين تحاول إسلام آباد الدفع باتجاه تسوية تمنع امتداد الحرب إلى المنطقة.
ويبدو أن الهدف المشترك لهذه التحركات هو الوصول أولا إلى تفاهم محدود بشأن الملاحة والتهدئة، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدا.
هل يكون هرمز مفتاح التسوية؟
قد يصبح مضيق هرمز خلال المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لمدى جدية الأطراف في إنهاء الحرب.
فإذا تمكن الوسطاء من تثبيت حرية الملاحة ووقف الإجراءات التي تهدد حركة السفن، فقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو تهدئة أوسع.
أما إذا بقي المضيق ورقة ضغط متبادلة بين طهران وواشنطن، فإن خطر عودة التصعيد سيظل قائما، حتى مع استمرار الاجتماعات والاتصالات الدبلوماسية.
وفي المحصلة، لا تبدو الأزمة الإيرانية الأمريكية أمام تسوية نهائية بعد، لكنها دخلت مرحلة تحاول فيها الأطراف اختبار حدود التفاوض عبر ملفات أقل تعقيدا من الملف العسكري المباشر.
ويبقى مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة؛ ففتح الملاحة قد يكون بداية لمسار سياسي جديد، بينما استمرار التوتر حوله قد يعني أن الحرب لا تزال تملك فصولا أخرى.
المصادر
- الجزيرة نت – متابعة مباشرة للتطورات والمباحثات في طهران.
- تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن مذكرة التفاهم مع واشنطن.
- مصادر أمريكية نقلت عنها الجزيرة بشأن المفاوضات وسياسة الضغط على إيران.
- المعطيات الواردة في المتابعة المتعلقة بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز والتحركات القطرية والعُمانية والباكستانية.
المحرر شريبط علي
