هرمز يتحول إلى ورقة ضغط.. واشنطن تحاصر وطهران تتحدى وسباق الشروط يهدد المنطقة

يتحول مضيق هرمز إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد الخلاف بشأن حركة الملاحة ومستقبل الاتفاق بين الطرفين، في وقت تستخدم فيه واشنطن الحصار والعقوبات كأداة ضغط، بينما تؤكد طهران أن المضيق لا يزال تحت إدارتها وسيطرتها.

وجاء التصعيد في اليوم الـ57 منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 166 يوما من اندلاع الحرب، وسط استمرار التباين الحاد في رواية كل طرف بشأن الوضع الميداني ومستوى السيطرة على الممر البحري.

وأكد مسؤول إيراني رفيع، الخميس، أن بلاده تسيطر على مضيق هرمز، قائلا إن المضيق “يقع تحت إدارة وسيطرة الجمهورية الإسلامية”، وإن إيران تواصل طريقها بأمن كامل.

ولم تكتف طهران بذلك، إذ شدد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء على أن أي سفينة لا يمكنها العبور بأمان من المضيق دون إذن وإشراف إيراني، متهما واشنطن بتقديم روايات غير صحيحة بشأن عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، ومؤكدا أن القوات الإيرانية تراقب تحركات القوات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

واشنطن تراهن على الحصار

في المقابل، يركز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الخناق الاقتصادي والبحري، مع حديث عن أن العقوبات والحصار البحري أضعفا إيران بصورة كبيرة، وأن الإدارة الأمريكية تملك خيارات متعددة يمكن استخدامها خلال الأشهر المقبلة.

ويبدو أن هرمز أصبح جزءا مركزيا من استراتيجية واشنطن للضغط على طهران، إذ قال ترمب إن إيران قد تقدم على خطوات في المضيق وتتعرض عندها لضربة قوية، مؤكدا أن موقف الولايات المتحدة “قوي للغاية” وأنها تتحكم في الممر البحري.

ويعكس هذا التباين أن المعركة لم تعد محصورة في الضربات العسكرية، بل امتدت إلى السيطرة على حركة الملاحة واستخدامها كورقة تفاوضية واقتصادية، ما يرفع حساسية أي خطوة جديدة في المنطقة.

أزمة ثقة تعرقل إحياء الاتفاق

وبالتوازي مع التصعيد حول هرمز، تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران عالقة. فقد نقلت رويترز عن مسؤول إيراني قوله إن الخلافات لا تزال قائمة بشأن التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب، وأنه لم يتم إحراز أي تقدم في المحادثات الهادفة إلى إحياء مذكرة التفاهم وتحديد جدول زمني لتنفيذها.

وفي الوقت الذي يجدد فيه ترمب تأكيده السيطرة على هرمز، يصر الحرس الثوري الإيراني على الاحتفاظ بأوراق الردع، مهددا باستهداف بنى تحتية للطاقة والاتصالات في حال تجدد التهديد العسكري ضد إيران.

من جهته، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن بارتكاب أخطاء في تقديراتها بسبب ما وصفه بالضعف الاستخباري، محذرا المسؤولين الأمريكيين من الاعتماد على معلومات وصفها بالزائفة، ومعتبرا أن حسابات واشنطن بشأن هرمز تمثل خطأ جديدا.

الملاحة بين الروايتين

وتكشف بيانات الملاحة عن صورة أكثر تعقيدا من الخطاب السياسي المتبادل. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف سفينة حاويات بصاروخين أطلقتهما مروحية عسكرية في خليج عمان، بدعوى تجاهل الطاقم تحذيرات متكررة ومحاولته الإبحار نحو ميناء إيراني.

لكن بيانات نظام التعريف الآلي للسفن أظهرت أن الوجهة المعلنة للسفينة كانت ميناء جبل علي الإماراتي، بينما رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مرور 31 سفينة عبر مضيق هرمز بين منتصف ليل التاسع من أغسطس وصباح الثاني عشر منه.

وهذا التباين يوضح أن القضية لم تعد مجرد سؤال حول ما إذا كان المضيق مفتوحا أم مغلقا، بل أصبحت مرتبطة بمن يملك حق تحديد شروط المرور، ومن يستطيع فرض هذه الشروط ميدانيا.

الطاقة تحت الضغط

وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود الملاحة لتصل إلى الأسواق العالمية. فقد انعكست أزمة هرمز على سوق الألمنيوم، مع ارتفاع الأسعار وتراجع المخزونات، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات الخليجية وانعكاس ذلك على قطاعات السيارات والطيران والبناء.

وتكمن حساسية المشهد في أن دول مجلس التعاون الخليجي تنتج نحو 9% من الألمنيوم العالمي، بما يزيد على 6.5 ملايين طن سنويا، تصدر نحو 60% منها إلى الأسواق الخارجية، ما يجعل اضطراب حركة التجارة عبر هرمز عاملا مؤثرا في الأسواق العالمية.

طهران تريد أكثر من المضيق

وفي قراءة للمشهد، يرى الكاتب الكويتي صالح المطيري أن الصراع تجاوز المواجهة العسكرية التقليدية، وأصبح مرتبطا بإعادة تشكيل خرائط النفوذ عبر التحكم في شريان الاقتصاد العالمي، أي قطاع الطاقة.

ويشير هذا الطرح إلى أن هرمز لم يعد مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحول إلى رمز للصراع على النفوذ الإقليمي والاقتصادي، خصوصا بعدما أصبحت المنشآت المرتبطة بالطاقة والاتصالات جزءا من خطاب التهديد المتبادل.

 

كما يرى أكاديمي أردني أن ترمب لا يسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بقدر ما يريد إضعافه ورفع كلفة الضغوط الاقتصادية عليه لدفعه إلى تقديم تنازلات، خصوصا بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز، وصولا إلى صفقة يمكن للرئيس الأمريكي تقديمها باعتبارها إنجازا سياسيا.

 

صراع يتجاوز إيران

وفي موازاة جبهة هرمز، يتصاعد التوتر أيضا على الجبهة اللبنانية، بعدما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ما لم يتم نزع سلاح حزب الله، وهو موقف وصفه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بأنه غير مقبول ومناقض لاتفاق الإطار.

وأكد مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في جنوب لبنان لا يتوافق مع الالتزامات الواردة في الاتفاق المدعوم من واشنطن، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بشأن تنفيذ ترتيبات الانسحاب ونزع السلاح.

وتكشف هذه التطورات أن الأزمة لم تعد محصورة في العلاقة بين واشنطن وطهران، بل باتت تمتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، مرورا بالطاقة والملاحة والأمن الإقليمي.

وفي ظل استمرار غياب تقدم واضح في المفاوضات، يبدو أن كل طرف ما زال يراهن على أوراق الضغط التي يمتلكها. واشنطن تستخدم العقوبات والحصار والتهديد العسكري، فيما تتمسك طهران بنفوذها على هرمز وبأوراق الردع المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية.

وبينما تتواصل لعبة الشروط، يبقى مضيق هرمز في قلب الأزمة، باعتباره ممرا بحريا حيويا تحاول كل من واشنطن وطهران تحويله إلى ورقة تفوق في معركة لم تحسم بعد.

المصادر

المحرر شريبط علي

Exit mobile version