أوراس | أوروبا
بعد أكثر من قرن ونصف على وفاتهما خلال الحرب الفرنسية البروسية سنة 1870، عاد اسما جنديين جزائريين إلى الواجهة بعد العثور على رفاتهما ضمن مجموعات أنثروبولوجية محفوظة في جامعة فرايبورغ الألمانية، في قضية أعادت فتح ملف الذاكرة الاستعمارية ومصير الرفات البشرية الموجودة في المؤسسات الأوروبية.
ويتعلق الأمر بالعريف عبد الله بن لين والرقيب عبد قادن بن لادشه، اللذين شاركا ضمن القوات التي جندها الجيش الفرنسي، قبل أن يصابا خلال معركة فورث-رايششوفن في منطقة الألزاس يوم 6 أغسطس 1870.
وبحسب المعطيات التي كشف عنها مؤرخون من جامعة فرايبورغ، توفي عبد الله بن لين في سبتمبر من العام نفسه داخل مستشفى عسكري بمدينة كارلسروه الألمانية، متأثرا بتسمم دموي عقب إصابته. أما عبد قادن بن لادشه، البالغ من العمر 42 عاما، فتوفي في نوفمبر 1870 في مستشفى عسكري بمدينة شفِتسينغن إثر إصابات خطيرة.
معركة دامية
كانت معركة رايششوفن، المعروفة أيضا بمعركة فورث وفريشفيلر، من أكثر معارك الحرب الفرنسية الألمانية دموية.
ففي السادس من أغسطس 1870، واجه نحو 41 ألف جندي فرنسي قوة ألمانية قوامها قرابة 82 ألفا، في مواجهة انتهت بخسائر بشرية هائلة.
وشارك في المعركة أكثر من 6 آلاف من الرماة الجزائريين، معظمهم من مناطق الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة، ضمن ثلاثة أفواج.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن هؤلاء الجنود خاضوا مواجهات عنيفة، تحولت في بعض المواقع إلى قتال متلاحم بالحراب وأعقاب البنادق، بعد نفاد الذخيرة.
وبحسب ما ورد في التحقيق، تكبد الفوج الثاني من الرماة الجزائريين خسائر كبيرة، إذ فقد خلال حرب 1870 نحو 84 ضابطا و2200 جندي.
ويرى المؤرخ فيليب توماسيتي أن الرماة الجزائريين لعبوا دورا مهما في تغطية انسحاب قوات جيش ماكماهون، مؤكدا أنهم “ضحوا بأنفسهم” خلال المعارك.
كيف وصلت الرفات إلى جامعة ألمانية؟
بدأت القصة الحديثة للرفات عام 2019، عندما عثر الأستاذ والمؤرخ بجامعة فرايبورغ ديتر شبيك على بقايا تعود إلى الجنديين داخل مجموعات التشريح والأنثروبولوجيا بالجامعة.
ويتعلق الأمر بجمجمة عبد الله بن لين، فيما عُثر بالنسبة إلى عبد قادن بن لادشه على الجمجمة والحوض.
واستند الباحثون في تحديد هويتهما إلى سجلات الوفيات وسجلات الجرحى التابعة للصليب الأحمر، إضافة إلى معلومات تتعلق بالأفواج العسكرية التي كانا ينتميان إليها.
غير أن الجامعة لا تزال تواصل التحقيق بسبب اختلافات محتملة في كتابة الأسماء وأخطاء في التسجيل تعود إلى تلك الفترة، خصوصا في ظل الحواجز اللغوية.
وتعتقد الجامعة أن الرفات نُقلت إلى معهد التشريح في فرايبورغ في إطار ترتيبات إدارية كانت تسمح بإرسال جثامين المتوفين إلى مؤسسات جامعية لأغراض البحث والتعليم.
ضحايا “علم دراسة الجماجم”
وتكشف القضية جانبا مظلما من تاريخ الدراسات الأنثروبولوجية الأوروبية.
فقد خضعت بعض الرفات البشرية في تلك المرحلة لدراسات مرتبطة بما كان يعرف بـ”علم دراسة الجماجم”، وهي ممارسات ارتبطت بنظريات عنصرية سعت إلى تصنيف البشر وإثبات مزاعم التفوق العرقي.
ويؤكد الباحثون أن النظرة إلى هذه الرفات تغيرت بشكل جذري في العصر الحديث، إذ لم تعد تعتبر مجرد مواد للبحث العلمي، بل بقايا لأشخاص لهم أسماء وسير ذاتية وانتماءات اجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول مسؤولية الجامعات والمتاحف الأوروبية في الكشف عن أصول الرفات البشرية الموجودة في مجموعاتها والعمل على إعادتها إلى الجهات المعنية.
فرنسا أم الجزائر؟
أثار العثور على الرفات نقاشا بشأن الوجهة التي ينبغي أن تعاد إليها.
فقد دعت جمعية “الذكرى الفرنسية” إلى استعادة الرفات ودفنهما في منطقة فورث، قرب موقع المعركة التي أصيبا فيها.
ويرى رئيس الجمعية سيرج بارشيليني أن الجنديين، باعتبارهما من القوات التي قاتلت ضمن الجيش الفرنسي، ينبغي أن يدفنا في مقابر الحرب بفرنسا.
في المقابل، يطرح الملف تساؤلات حول إمكانية إعادة الرفات إلى الجزائر، باعتبارهما جنديين جزائريين.
ويأتي هذا النقاش في سياق حساس يتعلق بذاكرة الاستعمار واستعادة الجزائر لرفات عدد من مقاوميها، بعدما أعادت فرنسا في يوليو 2020 جماجم 24 مقاوما جزائريا كانت محفوظة في متحف الإنسان بباريس.
لكن جامعة فرايبورغ أكدت استعدادها لإعادة الرفات إذا تلقت طلبا رسميا، مشيرة إلى أن القرار النهائي سيكون من صلاحيات إدارة الجامعة بالتشاور مع السلطات المختصة في ولاية بادن-فورتمبيرغ.
ملف الرفات الاستعمارية
ولا تتعلق القضية بالجنديين الجزائريين فقط، إذ تشير دراسة أجريت عام 2024 إلى وجود نحو 17 ألف عظمة بشرية محفوظة في المتاحف الألمانية، يعود جزء منها إلى مناطق في إفريقيا وأوقيانوسيا.
وتطالب السلطات والمؤسسات الثقافية الألمانية بزيادة الجهود للكشف عن مصدر هذه الرفات، خاصة تلك المرتبطة بالسياقات الاستعمارية.
وفي انتظار حسم مصير رفات عبد الله بن لين وعبد قادن بن لادشه، تبقى القضية شاهدا على فصل طويل من التاريخ الجزائري، وعلى مصائر آلاف الجزائريين الذين جندوا في حروب بعيدة عن وطنهم، قبل أن تضيع أسماء كثير منهم في المقابر الجماعية وسجلات الحروب.
وبين دعوات دفنهما في موقع معركة رايششوفن أو إعادتهما إلى الجزائر، أعاد اكتشاف رفاتهما بعد أكثر من 150 عاما اسمي رجلين كادا يختفيان تماما من الذاكرة التاريخية.
المصادر
- فرانس 24: تحقيق حول العثور على رفات الجنديين الجزائريين عبد الله بن لين وعبد قادن بن لادشه في جامعة فرايبورغ الألمانية.
- فرانس 24: معطيات حول معركة رايششوفن ومشاركة الرماة الجزائريين وخسائرهم.
- فرانس 24: تفاصيل الجدل بشأن إعادة الرفات إلى فرنسا أو الجزائر وموقف جامعة فرايبورغ.
المحرر شريبط علي
