
تكشف التحولات المتسارعة في شمال-شرق سوريا عن إعادة صياغة عميقة للمسألة الكردية، انتقلت فيها الطموحات من مشروع إدارة ذاتية واسعة، يحمل في طياته أفقًا سياسيا شبه انفصالي، إلى مسار اندماج مشروط داخل الدولة السورية المركزية. هذا التحول لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية حاسمة بقدر ما كان حصيلة تآكل تدريجي في عناصر القوة، وتبدّل في البيئة الإقليمية والدولية التي احتضنت التجربة الكردية منذ عام 2014.
ميدانيا، شكّل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الرقة ودير الزور، ودخول القوات الحكومية إلى هذه المناطق، لحظة فاصلة أنهت فعليا سيطرة «قسد» على مناطق ذات غالبية عربية افتقرت فيها إلى حاضنة اجتماعية صلبة. وقد أظهر ذلك محدودية نموذج الإدارة الذاتية عندما يتجاوز الجغرافيا الكردية، ويصطدم بتعقيدات الهوية العشائرية والاقتصاد المحلي، خصوصا في مناطق غنية بالموارد النفطية والغازية.
سياسيا، يعكس الاتفاق الموقع بين دمشق وقيادة «قسد» إدراكا كرديا بتقلص هامش المناورة. فتراجع الدعم الأمريكي، وتحول أولويات واشنطن، وعودة الدولة السورية كلاعب مركزي بعد سقوط نظام بشار الأسد، دفعت القيادة الكردية إلى القبول بتسوية تُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة حقوق ومواطنة، لا مشروع كيان مستقل. في المقابل، استفادت دمشق من هذا التحول لاستعادة موارد استراتيجية، وفرض نموذج إعادة دمج تدريجية للمناطق الخارجة عن السيطرة.
دوليا، يظهر الموقف الأمريكي أكثر براغماتية من أي وقت مضى. فواشنطن، التي استخدمت «قسد» شريكا أساسيا في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، باتت تنظر إليها كورقة ضغط ظرفية لا كحليف استراتيجي دائم. تصريحات مسؤولي الإدارة الأمريكية عن «حماية الأكراد» ترافقها قناعة بأن الاندماج داخل الدولة السورية، مع ضمانات ثقافية وسياسية محدودة، هو الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار.
لكن هذا التحول لا يعني تبخر الحلم الكردي بالكامل. فالمشروع، بحسب مراقبين، دخل مرحلة «تجميد» لا «إلغاء»، رهن توازنات إقليمية معقدة تشمل تركيا والعراق وإيران، إضافة إلى حسابات القوى الكبرى. استمرار وجود «قسد» في جيوب جغرافية محدودة، واحتفاظ الأكراد ببنية سياسية وإدارية، ولو منقوصة، يبقي الباب مواربا أمام عودة المطالب بصيغ مختلفة إذا تبدلت موازين القوى.
في المحصلة، أعادت الحرب رسم حدود الطموح الكردي في سوريا، من مشروع حكم ذاتي واسع إلى تسوية اندماجية حذرة. غير أن نجاح هذه المرحلة الجديدة سيبقى رهينا بقدرة الدولة السورية على تحويل الاتفاقات من أدوات احتواء مؤقتة إلى عقد اجتماعي مستدام، يضمن الحقوق ويمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع، في منطقة لا تزال هشة ومفتوحة على احتمالات عدم الاستقرار. المحرر ش ع
المصادر
-
فرانس24
-
وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب)
-
آراء ومداخلات باحثين سوريين (جورج برشيني، مسلم إبراهيم)



