دوليزراعة

الزراعة الفرنسية عند مفترق طرق: كيف تحوّل اتفاق «ميركوسور» إلى تهديد وجودي للقطاع؟

الزراعة الفرنسية عند مفترق طرق: كيف تحوّل اتفاق «ميركوسور» إلى تهديد وجودي للقطاع؟

فرنسا | تحليل اقتصادي – اجتماعي

لم تعد احتجاجات المزارعين في فرنسا مجرّد ردّ فعل ظرفي على قرار حكومي أو أزمة موسمية، بل باتت تعبيراً واضحاً عن خلل بنيوي عميق يضرب أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد. فخلف مشاهد الجرارات التي اجتاحت شوارع باريس، يتوارى صراع معقّد بين منطق العولمة الاقتصادية ومتطلبات السيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية.

«ميركوسور» كرمز لا كسبب وحيد

على الرغم من أن اتفاق التجارة الحرة المرتقب بين الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» يشكّل الشرارة المباشرة للحراك، إلا أنه ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السياسات التي يرى المزارعون أنها تُضعف قدرتهم على الصمود. فالاتفاق، الذي يجري التفاوض عليه منذ أكثر من 25 عاماً، أصبح رمزاً لاختلال ميزان القوى بين المنتج المحلي والأسواق العالمية المفتوحة.

بالنسبة للمزارعين الفرنسيين، لا تكمن المشكلة في التبادل التجاري بحد ذاته، بل في شروطه غير المتكافئة. إذ يُطلب منهم الالتزام بمعايير صارمة في ما يتعلق بالبيئة، ورعاية الحيوان، وجودة الإنتاج، بينما يُسمح بدخول منتجات أجنبية لا تخضع للقيود نفسها، ما يخلق منافسة غير عادلة تُهدد استمرارية آلاف المزارع العائلية.

أزمة دخل مزمنة

تُظهر بيانات النقابات الزراعية أن دخل المزارعين الفرنسيين يشهد ركوداً مزمناً منذ سنوات، في وقت تتزايد فيه تكاليف الإنتاج بشكل مطّرد، سواء بسبب أسعار الطاقة، أو الأسمدة، أو القيود التنظيمية. ويؤدي هذا الخلل إلى تآكل الهامش الربحي، ما يدفع كثيرين إلى الاستدانة أو التخلي عن نشاطهم كلياً.

ولا تنفصل هذه الأزمة الاقتصادية عن أزمة نفسية واجتماعية أعمق، حيث تشهد الأرياف الفرنسية ارتفاعاً في معدلات الاكتئاب والانتحار في صفوف المزارعين، وهو ما يضع الاحتجاجات الحالية في سياق إنساني يتجاوز الحسابات التجارية البحتة.

الدولة بين ضغط الشارع والالتزامات الأوروبية

تحاول الحكومة الفرنسية الموازنة بين تهدئة الشارع الزراعي والالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي ومصالحه التجارية. فقد أبدى الرئيس إيمانويل ماكرون تحفظات متكررة على اتفاق «ميركوسور» بصيغته الحالية، داعياً إلى إدراج بنود وقائية تحمي المنتج الأوروبي.

لكن هذه المواقف، على أهميتها السياسية، لم تُترجم حتى الآن إلى إجراءات ملموسة كافية من وجهة نظر المزارعين. فالإعلانات عن تعليق استيراد بعض المنتجات أو تشديد الرقابة الصحية تُعتبر حلولاً جزئية لا تعالج جوهر المشكلة، المتمثل في نموذج زراعي يرزح تحت ضغط المنافسة العالمية دون أدوات حماية فعالة.

ما وراء الاحتجاجات: سؤال السيادة الغذائية

تعكس الأزمة الراهنة سؤالاً استراتيجياً أوسع: ما هو الدور الذي تريد فرنسا وأوروبا أن تلعباه في تأمين غذائهما مستقبلاً؟
ففي عالم يتسم بتقلبات جيوسياسية ومناخية متسارعة، تبدو السيادة الغذائية عنصراً أساسياً من عناصر الأمن القومي، لا مجرد ملف اقتصادي.

ويرى خبراء أن التضحية بالقطاع الزراعي المحلي مقابل مكاسب تجارية قصيرة الأمد قد تجعل أوروبا أكثر هشاشة أمام الأزمات العالمية، سواء تعلّق الأمر بسلاسل التوريد أو بالأمن الغذائي.

إلى أين يتجه الصدام؟

يؤكد قادة النقابات الزراعية أن التحركات ستتواصل ما لم تُقدَّم حلول هيكلية تعيد التوازن إلى القطاع، من خلال:

  • ضمان تكافؤ المعايير بين الإنتاج المحلي والمستورد

  • تحسين دخل المزارعين عبر تسعير عادل

  • تبسيط القوانين دون الإضرار بالمعايير البيئية

  • إعادة النظر في فلسفة الاتفاقات التجارية الكبرى

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الزراعة الفرنسية عند مفترق طرق حاسم: إما إعادة صياغة نموذجها بما يحفظ كرامة المنتجين واستدامة القطاع، أو الاستمرار في مسار قد يؤدي إلى تفكك أحد أعمدة الهوية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة فرانس برس (AFP)

  • بيانات وتصريحات نقابات زراعية فرنسية

  • تصريحات رسمية للحكومة الفرنسية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى