ريـاضة

بعد خسارة النهائي القاري… الركراكي بين منطق الاستمرارية وضغط التغيير في المنتخب المغربي

أعاد ضياع لقب كأس أمم أفريقيا في النهائي أمام السنغال فتح نقاش قديم–جديد في الكرة المغربية: هل يُحاسَب المدرب على الخسارة أم يُقاس عمله بالمسار؟. فالهزيمة، التي جاءت في لحظة كانت الجماهير ترى فيها الكأس قريبة أكثر من أي وقت مضى منذ نصف قرن، تحوّلت بسرعة من خيبة رياضية إلى محاكمة علنية لمرحلة وليد الركراكي بأكملها.

من الناحية العاطفية، بدت ردود الفعل مفهومة. المغرب خسر النهائي على أرضه، في بطولة كان يُنظر إليها باعتبارها فرصة تاريخية لا تتكرر كثيرًا. كما أن المباراة اتسمت بأجواء متوترة وأحداث غير مألوفة، ما عمّق الإحساس بأن الفريق فقد السيطرة ذهنيًا في لحظة مفصلية. في مثل هذه السياقات، غالبًا ما يتحول المدرب إلى العنوان الأسهل للنقد، مهما كانت حصيلته السابقة.

لكن عند الانتقال من الانفعال إلى التحليل، تتضح صورة أكثر تعقيدًا. الركراكي قاد المنتخب المغربي إلى نهائي كأس أفريقيا لأول مرة منذ 2004، ونجح في تثبيت المغرب ضمن كبار القارة على مستوى النتائج والحضور الذهني. هذا المعطى وحده يجعل فكرة القطيعة التلقائية معه محل تساؤل، خاصة إذا ما قورنت هذه المرحلة بسنوات طويلة من الإخفاقات وعدم الاستقرار الفني.

في المقابل، لا يمكن تجاهل المآخذ التقنية التي ظهرت بوضوح في النهائي. فحسب عدد من المحللين، بدا المنتخب محدود الحلول بعد التأخر في النتيجة، وعاجزًا عن فرض إيقاعه عبر اللعب القصير أو الضغط المنظم. كما أن التحول من الأسلوب الدفاعي–الانتقالي، الذي ميّز الركراكي في مونديال قطر، إلى منظومة هجومية قادرة على التحكم في المباريات الكبرى، لم يكتمل بعد. هذه الثغرات التكتيكية، إضافة إلى تأخر التغييرات وغياب بدائل جاهزة، غذّت أطروحة أن الخسارة لم تكن وليدة الصدفة.

تصريحات الركراكي نفسه، التي تحمّل فيها المسؤولية كاملة، تعكس وعيًا بحجم الإخفاق، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى قناعة داخلية بقدرة المشروع على الاستمرار والتطور. فالإقرار بالفشل هنا لا يعني بالضرورة نهاية المسار، بل قد يكون مدخلًا لمراجعة شاملة في ظل وجود جيل شاب اكتسب خبرة نهائي قاري بكل ما يحمله من ضغط نفسي وتكتيكي.

الجدل الدائر اليوم في المغرب لا يتعلق فقط بشخص المدرب، بل بفلسفة التسيير الرياضي: هل تُدار المنتخبات بمنطق ردّ الفعل بعد كل إخفاق، أم بمنطق البناء التراكمي؟. الاستغناء عن الركراكي قد يرضي جزءًا من الرأي العام الغاضب، لكنه يحمل خطر العودة إلى دوامة التغيير المتكرر. في المقابل، الإبقاء عليه يفرض شرطًا واضحًا: تطوير الفكر التكتيكي، توسيع قاعدة الاختيارات، والاستعداد بعمق للاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها تصفيات كأس العالم.

في النهاية، لا تبدو مرحلة الركراكي منتهية بقدر ما تبدو عند مفترق طرق. القرار الذي ستتخذه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لن يكون مجرد اختيار تقني، بل رسالة حول الكيفية التي ترى بها مستقبل الكرة الوطنية بين منطق الصبر الاستراتيجي وضغط اللحظة. المحرر ش ع


المصادر

  • فرانس24 (التقرير الإخباري والتحليلي)

  • تصريحات وليد الركراكي في الندوة الصحفية عقب النهائي

  • تدوينات وآراء إعلاميين مغاربة: أمين السبتي، عمر لبشيريت

  • تحليلات المحلل الرياضي محمد حجي

  • وكالة فرانس برس (الصورة والمعطيات العامة عن المباراة)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى