
تحليل سياسي
يشير طلب الجيش السوري من القوات الكردية الانسحاب من مناطق شرق حلب باتجاه نهر الفرات إلى مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ في الشمال السوري، عقب إعلان السلطات سيطرتها الكاملة على مدينة حلب. فالخطوة لا تقتصر على إجراء ميداني محدود، بل تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز المدينة، وتمس مستقبل العلاقة المتوترة بين دمشق والإدارة الذاتية الكردية.
إعلان المنطقة الممتدة من شرق حلب حتى نهر الفرات «منطقة عسكرية مغلقة» يعكس سعي الحكومة السورية إلى فرض أمر واقع أمني بعد معارك دامية، ورسالة واضحة بأن مرحلة تقاسم النفوذ داخل محيط حلب قد انتهت، أو على الأقل لم تعد مقبولة بصيغتها السابقة.
تصعيد محسوب أم ضغط تفاوضي؟
يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المفاوضات بين دمشق و«قسد» جمودًا طويلًا، رغم ضغوط أمريكية متواصلة لإحياء الاتفاق الذي كان يفترض إنجازه قبل نهاية 2025. ويبدو أن الخطاب العسكري الأخير يندرج ضمن سياسة الضغط الميداني لدفع القوات الكردية إلى القبول بشروط جديدة، خصوصًا في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية التي تشكل بوابة وصل بين حلب وشرق الفرات.
في المقابل، تنفي «قسد» إرسال تعزيزات عسكرية إلى دير حافر، ما يكشف عن حرب روايات موازية للتوتر العسكري، حيث يسعى كل طرف إلى تحميل الآخر مسؤولية التصعيد، وتبرير أي تحرك محتمل أمام المجتمع الدولي.
عقدة النفط والدعم الأمريكي
لا يمكن فصل هذا التوتر عن ملف شرق الفرات، حيث تسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة تضم أهم حقول النفط والغاز في سوريا. هذه المناطق تشكل ركيزة اقتصادية وسياسية للإدارة الذاتية، كما أنها تمثل ورقة نفوذ رئيسية للولايات المتحدة في المشهد السوري.
من هذا المنطلق، فإن أي محاولة لدفع «قسد» إلى الانسحاب غرب الفرات تعني عمليًا تقليص هامشها الجغرافي وربما السياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة غير مباشرة بين دمشق وواشنطن، أو على الأقل اختبارًا جديدًا لحدود التفاهمات الضمنية بينهما.
المدنيون بين نارين
دعوة الجيش السوري المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع «قسد» تعكس مخاوف من تجدد المواجهات في مناطق مأهولة، خصوصًا أن بلدات مثل دير حافر ومسكنة سبق أن شهدت معارك عنيفة. وفي حال تحوّل التوتر إلى اشتباك مفتوح، فإن المدنيين سيجدون أنفسهم مجددًا في قلب صراع نفوذ لا يملكون أدوات التأثير فيه.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
أمام هذا المشهد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:
-
انسحاب تدريجي تفاوضي للقوات الكردية من بعض المناطق مقابل ضمانات سياسية.
-
تجميد ميداني هش مع استمرار التوتر دون مواجهة مباشرة.
-
تصعيد عسكري محدود يعيد خلط الأوراق ويهدد بتوسيع دائرة الصراع شمالًا.
في جميع الحالات، يبدو أن شرق حلب بات ساحة اختبار جديدة لتوازنات ما بعد استعادة المدينة، ولقدرة الأطراف السورية، بدعم خارجي، على الانتقال من منطق السلاح إلى منطق التسوية. المحر ش ع
المصادر:
-
فرانس24
-
وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)
-
بيانات الجيش السوري عبر التلفزيون الرسمي
-
تقارير ميدانية من حلب وريفها الشرقي



