
في 30 جانفي 2012 رحل عن الجزائر أحد أبرز رجالاتها السياسيين والفكريين، المجاهد ووزير الدولة والأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني عبد الحميد مهري، بعد مسار طويل جمع بين النضال ضد الاستعمار والعمل الدبلوماسي والدعوة المستمرة إلى الحوار الوطني.
وُلد مهري في 3 أفريل 1926 بمدينة الخروب بولاية قسنطينة، ونشأ في وادي الزناتي حيث حفظ القرآن الكريم وتلقى تعليمه الأولي. انخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية من خلال حزب الشعب الجزائري ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، قبل أن يلتحق بثورة التحرير.
اعتُقل في نوفمبر 1954 وبقي في السجن إلى غاية أفريل 1955، ثم التحق بنشاط جبهة التحرير الوطني في الخارج، ليصبح من إطاراتها السياسية. تولّى عضوية المجلس الوطني للثورة الجزائرية ثم لجنة التنسيق والتنفيذ، كما شغل في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية منصبي وزير شؤون شمال أفريقيا ووزير الشؤون الاجتماعية والثقافية، مساهماً في التعريف الدولي بالقضية الجزائرية.
بعد الاستقلال واصل خدمة الدولة في مناصب عليا، فكان أميناً عاماً لوزارة التعليم الثانوي لسنوات طويلة، ثم وزيراً للإعلام والثقافة سنة 1979، قبل أن يُعيَّن سفيراً للجزائر في فرنسا بين 1984 و1988.
أهم محطات مسيرته كانت توليه الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني بين 1988 و1996، في مرحلة الانتقال إلى التعددية السياسية. وخلال الأزمة الدامية في التسعينيات تبنّى موقفاً واضحاً يدعو إلى الحل السياسي والحوار بدل منطق الإقصاء والمواجهة المفتوحة.
وبرز اسمه سنة 1994 من خلال مشاركته في مبادرة «سانت إيجيديو» بروما، التي سعت إلى جمع أطراف سياسية متباينة حول أرضية مشتركة لوقف العنف والبحث عن مخرج وطني للأزمة. ورغم الجدل الذي رافق المبادرة، فقد رسّخت صورته كشخصية تؤمن بالتوافق كطريق لإنقاذ الدولة.
بعد إبعاده عن قيادة الحزب سنة 1996 انسحب من العمل الحزبي المباشر، لكنه ظل فاعلاً في النقاش العام عبر المحاضرات والرسائل المفتوحة، داعياً إلى إصلاحات سياسية عميقة، ودولة قانون، وتداول سلمي على السلطة. وفي إحدى رسائله قبل وفاته دعا إلى تقييم نقدي شامل لمسار الحكم منذ الاستقلال وإزالة القيود على الحريات.
في صبيحة 30 جانفي 2012 توفي عبد الحميد مهري بمستشفى عين النعجة العسكري بالجزائر العاصمة عن عمر 85 عاماً بعد صراع مع المرض، وشيّع في جنازة مهيبة حضرها مجاهدون ومسؤولون وسياسيون من مختلف التيارات، في مشهد عكس مكانته كأحد «عقلاء الجزائر».
يبقى مهري في الذاكرة الوطنية مثال السياسي الهادئ الذي انتقل من شرعية الثورة إلى شرعية الحوار، وظل حتى آخر أيامه يدافع عن المصالحة والديمقراطية التوافقية كسبيل لحماية الدولة ووحدة المجتمع. المحر ش ع
المصادر:
-
وكالة الأنباء الجزائرية (APS)
-
الموسوعة الحرة ويكيبيديا (السيرة الذاتية لعبد الحميد مهري)
-
الجزيرة نت (تقارير ومواد تأبينية سنة 2012)
-
أرشيف الصحافة الجزائرية حول جنازة ووفاة عبد الحميد مهري



