
تشكل عودة الحكومة السودانية المرتبطة بالجيش إلى العاصمة الخرطوم، بعد نحو ثلاث سنوات من اتخاذ بورت سودان مقرا مؤقتا، تطورا سياسيا ذا دلالات رمزية عميقة، يتجاوز البعد الإداري إلى رسالة سيادية مفادها أن الدولة تسعى لاستعادة مركزها من قلب العاصمة، رغم الدمار الهائل والتحديات الأمنية والإنسانية المستمرة.
إعلان رئيس الوزراء كامل إدريس استئناف العمل من الخرطوم يندرج في سياق محاولة تثبيت واقع ما بعد استعادة الجيش للعاصمة في مارس/آذار 2024، وإظهار قدر من الاستقرار المؤسساتي بعد واحدة من أعنف الحروب التي شهدها السودان الحديث. فالخرطوم، التي كانت المسرح الرئيسي للاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع، تحولت خلال الحرب إلى مدينة شبه مشلولة، هُجّر منها ملايين السكان ودُمّرت بنيتها التحتية الأساسية.
الخطاب الحكومي ركز على الوعود الخدمية، من إعادة إعمار المستشفيات والمدارس إلى تحسين الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وهي ملفات تمس الحياة اليومية للسكان العائدين. غير أن هذه التعهدات تصطدم بواقع اقتصادي صعب، إذ تقدّر الأمم المتحدة كلفة إعادة تأهيل البنى التحتية في العاصمة وحدها بنحو 350 مليون دولار، في وقت يعاني فيه السودان من تضخم مرتفع، وضعف الموارد، واستمرار النزاع في أقاليم أخرى.
سياسيا، تحمل العودة إلى الخرطوم بعدا معنويا يهدف إلى طمأنة المواطنين وتعزيز شرعية الحكومة، لكنها في الوقت نفسه خطوة محفوفة بالمخاطر. فقوات الدعم السريع، رغم فقدانها السيطرة على العاصمة، ما زالت قادرة على تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف البنى التحتية، كما وسعت من عملياتها في دارفور وكردفان، ما يعني أن الحرب لم تطو صفحتها بعد.
أما إعلان إدريس أن عام 2026 سيكون “عام السلام”، فيعكس طموحا رسميا لفتح مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنه يبقى رهينا بتقدم فعلي على مسار إنهاء الصراع، وليس فقط بإعادة تموضع الحكومة جغرافيا. فالتحدي الأكبر لا يكمن في العودة إلى الخرطوم بقدر ما يكمن في جعلها مدينة قابلة للحياة، وآمنة، وقادرة على استيعاب ملايين النازحين الذين ينتظرون أكثر من الرمزية السياسية.
في المحصلة، تمثل عودة الحكومة إلى الخرطوم خطوة أولى على طريق طويل، تحمل رسائل سياسية قوية، لكنها تضع السلطة أمام اختبار صعب: تحويل الوعود إلى واقع ملموس في بلد أنهكته الحرب والانقسامات.
المصادر
-
فرانس24 (التقرير الإخباري والتغطية الميدانية)
-
وكالة فرانس برس (تصريحات رئيس الوزراء والمعطيات الإنسانية)
-
المنظمة الدولية للهجرة (أرقام النزوح والعودة إلى الخرطوم)
-
الأمم المتحدة (تقديرات إعادة إعمار البنية التحتية في السودان)



