
تحليل سياسي
في توقيت لافت، استقبلت الجزائر في يومين متتاليين وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ورئيس المجلس العسكري في النيجر عبد الرحمن تياني، فيما كان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يدير مسارين دبلوماسيين متوازيين مع شريكين عرفا توترات حادة مع الجزائر خلال العام الماضي.
فهل كان تزامن الزيارتين مجرد مصادفة بروتوكولية، أم رسالة سياسية متعددة الاتجاهات؟
مسار فرنسي: عودة التعاون الأمني
زيارة نونيز جاءت في سياق ما وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقاً بـ“المسار التدريجي” لإعادة بناء الثقة بين باريس والجزائر بعد أزمة دبلوماسية بلغت ذروتها عام 2025، على خلفية ملفات الهجرة، والتأشيرات، وترحيل الجزائريين الصادرة بحقهم أوامر OQTF، إضافة إلى التوتر السياسي الذي أعقب اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
اللافت أن الزيارة انتهت بإعلان استئناف “التعاون الأمني رفيع المستوى”، وهو تطور مهم في ضوء حاجة البلدين إلى تنسيق استخباراتي في قضايا مكافحة الإرهاب وشبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالمخدرات، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الأمني في الساحل.
تغيير المقاربة الفرنسية – من خطاب تصعيدي إلى مقاربة تقنية أمنية – يعكس إدراكاً بأن القطيعة مع الجزائر مكلفة استراتيجياً، سواء لباريس أو للاتحاد الأوروبي.
مسار نيجري: إعادة التموضع في الساحل
في الوقت ذاته، حملت زيارة تياني أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية. فالعلاقات بين الجزائر والنيجر كانت قد تضررت بعد أزمة الطائرة المسيّرة المالية، قبل أن تعود الدبلوماسية إلى مسارها الطبيعي مع إعادة السفراء.
الملف الأبرز خلال الزيارة كان مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الكبرى، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، ما يمنح نيامي متنفساً اقتصادياً ويعزز دور الجزائر كمحور طاقوي نحو أوروبا.
أمنياً، تشترك الجزائر والنيجر في حدود تتجاوز 900 كلم، ما يجعل التنسيق بينهما ضرورة في ظل تنامي نشاط الجماعات المتطرفة. وقد أكد تبون أن بلاده في “نفس المعسكر” مع النيجر في مكافحة الإرهاب، في إشارة واضحة إلى اصطفاف أمني إقليمي.
بين باريس ونيامي… هل الجزائر وسيط محتمل؟
التزامن يكتسب دلالته الأكبر إذا ما وُضع في سياق التوتر الحاد بين النيجر وفرنسا منذ انقلاب 23 يوليو 2023. نيامي تتهم باريس بالسعي لزعزعة الاستقرار، فيما قطعت قنوات التواصل بين الطرفين تقريباً.
هنا تبرز فرضية أن الجزائر، التي تحتفظ بعلاقات تاريخية مع فرنسا وبقنوات مفتوحة مع النيجر، قد تسعى إلى لعب دور “ناقل الرسائل” أو الوسيط غير المعلن. فاستقرار الساحل مسألة حيوية لأمنها القومي، وأي صدام مفتوح بين باريس ونيامي سينعكس مباشرة على المنطقة.
لكن في المقابل، تشير مصادر فرنسية إلى أن تزامن الزيارتين قد يكون مجرد تضارب مواعيد، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يشهد عادة تسريعاً في الأجندة الرسمية الجزائرية.
قراءة استراتيجية أوسع
بعيداً عن فرضية المصادفة، يمكن قراءة الحدث ضمن تموضع جزائري أوسع يقوم على ثلاث ركائز:
-
استعادة الدور الإقليمي كفاعل محوري في الساحل.
-
تحقيق توازن في العلاقات بين القوى الأوروبية والدول الإفريقية المجاورة.
-
ربط الأمن بالاقتصاد عبر مشاريع طاقوية تعزز النفوذ السياسي.
فالجزائر تدرك أن استقرار الساحل لا يمكن فصله عن أمنها الداخلي، كما أن التعاون مع فرنسا في المجال الأمني لا يتناقض – من منظورها – مع تعزيز شراكاتها مع أنظمة ما بعد الانقلابات في المنطقة.
سواء كان التزامن صدفة أم لا، فإن الصورة التي خرجت بها الجزائر واضحة: قصر المرادية مفتوح لجميع الأطراف، والبلاد تسعى إلى إدارة شبكة علاقات معقدة دون الانحياز الكامل لأي محور.
في منطقة تتشابك فيها خطوط الطاقة بالإرهاب، والدبلوماسية بالمواجهة، يبدو أن الجزائر تحاول لعب دور “الميزان” بين باريس ونيامي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السياسي.
ويبقى السؤال: هل تنجح في تحويل هذا التموضع إلى وساطة فعلية تُخفف التوتر بين فرنسا والنيجر، أم أن صراع النفوذ في الساحل سيظل أكبر من قدرة أي طرف على احتوائه؟ المحرر ش ع
المصادر
-
معطيات حول زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر وإعلان استئناف التعاون الأمني.
-
بيانات رسمية جزائرية حول استقبال رئيس المجلس العسكري النيجري ومباحثات مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء.
-
تصريحات متبادلة بين النيجر وفرنسا بشأن الأوضاع الأمنية في الساحل.



