سياسةوطني

الجزائر والنيجر: عودة السفراء تمهّد لخفض التوتر في الساحل… ومالي خارج معادلة التهدئة

خطوة دبلوماسية بعد عام من القطيعة

أعادت الجزائر سفيرها إلى نيامي، في خطوة تعكس انفراجًا نسبيًا في العلاقات مع النيجر بعد نحو عام من التوتر الدبلوماسي الذي اندلع عقب إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي قرب الحدود المشتركة.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية أن المبعوث الجزائري سيستأنف مهامه فورًا في العاصمة النيجرية، بينما كان السفير النيجري قد عاد بالفعل إلى الجزائر، في مؤشر واضح على رغبة متبادلة في إعادة تفعيل قنوات التواصل السياسي.

القطيعة جاءت في أعقاب حادثة إسقاط المسيّرة في نيسان/أبريل 2025، حين أعلنت الجزائر أن الطائرة انتهكت مجالها الجوي، بينما أكدت باماكو أنها أُسقطت داخل الأراضي المالية. وعلى إثر ذلك، سحبت كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، وردّت الأخيرة بالمثل.

تهدئة مع نيامي… وتوتر مستمر مع باماكو

اللافت أن الانفراج شمل النيجر دون مالي، إذ لا يزال المجال الجوي مغلقًا بين الجزائر ومالي، ما يعكس استمرار حالة عدم الثقة بين البلدين. هذا التباين يعكس اختلافًا في مقاربة الجزائر لكل من نيامي وباماكو، رغم انتمائهما إلى التكتل الإقليمي نفسه.

فالنيجر، رغم تقاربها السياسي والعسكري مع مالي وبوركينا فاسو ضمن إطار تحالف دول الساحل الذي تأسس عام 2023، تبدو أكثر استعدادًا للحفاظ على خيط تواصل مع الجزائر، بحكم الروابط الجغرافية والأمنية والاقتصادية الممتدة عبر الحدود.

خلفيات أمنية وجيوسياسية

حادثة إسقاط المسيّرة لم تكن مجرد واقعة تقنية، بل عكست حساسية المشهد الأمني في منطقة الساحل، حيث تتداخل عمليات مكافحة الجماعات المسلحة مع اعتبارات السيادة الوطنية.

الجزائر، التي تعتمد تقليديًا سياسة عدم التدخل العسكري خارج حدودها، تشدد في المقابل على حماية مجالها الجوي وحدودها الجنوبية الممتدة. ومن هذا المنطلق، اعتبرت اختراق المجال الجوي خطًا أحمر، في حين رأت مالي في الخطوة الجزائرية تصعيدًا غير مبرر.

هذا الخلاف تزامن مع تحولات إقليمية أوسع، أبرزها توجه دول الساحل الثلاث نحو إعادة صياغة شراكاتها الأمنية بعيدًا عن النفوذ الغربي، وتعزيز تعاونها البيني.

حسابات الجزائر: أمن الحدود أولًا

إعادة السفير إلى نيامي يمكن قراءتها في سياق براغماتي، يهدف إلى تحييد النيجر عن مسار التصعيد مع مالي، والحفاظ على استقرار الحدود المشتركة، خصوصًا في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة وشبكات التهريب.

كما أن الجزائر تدرك أهمية استمرار التنسيق الأمني مع النيجر، التي تشكل عمقًا استراتيجيًا في معادلة الاستقرار جنوبًا.

ما الذي تغيّر؟

البيان الجزائري وصف عودة السفيرين بأنها “حافز لإعادة بعث التشاور السياسي الثنائي واستئناف التعاون”، ما يوحي بوجود تفاهمات مسبقة مهدت لهذه الخطوة.

غير أن غياب مالي عن مسار التهدئة يشير إلى أن الأزمة لم تُطوَ بالكامل، بل أُعيد ترتيبها. فالعلاقات الجزائرية–المالية لا تزال رهينة تداعيات حادثة المسيّرة وتباينات أوسع في الرؤية الأمنية الإقليمية.

نحو إعادة تموضع إقليمي؟

التحرك الجزائري يعكس محاولة لإعادة التموضع داخل المشهد الساحلي، من خلال الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع بعض الأطراف، دون التخلي عن مواقفها السيادية.

في المحصلة، عودة السفير إلى النيجر تمثل خطوة تهدئة مهمة، لكنها لا تعني نهاية التوتر في الساحل. فالمعادلة الإقليمية ما تزال معقدة، والتوازن بين حماية السيادة والحفاظ على النفوذ الدبلوماسي سيبقى التحدي الأبرز للجزائر في المرحلة المقبلة.  المحرر ش ع


مصادر الخبر:

  • بيان وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية بشأن إعادة السفير إلى نيامي

  • تغطية فرانس24 للحدث

  • تقارير وكالة فرانس برس

  • بيانات سابقة حول حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة المالية

  • معطيات حول تأسيس تحالف دول الساحل عام 2023

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى