سياسة

العلاقات الجزائرية الفرنسية: اختبار الأسلوب بين نونيز وروتايو

تأتي زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر في لحظة دقيقة من مسار العلاقات بين البلدين، حيث يتقاطع الإرث التاريخي الثقيل مع رهانات أمنية واقتصادية لا تحتمل القطيعة. وبينما تبدو الزيارة محاولة لإعادة تشغيل قنوات الحوار، فإنها تكشف في الوقت ذاته عن تحوّل واضح في المقاربة الفرنسية، مقارنة بالنهج الذي اعتمده سلفه برونو روتايو.

من منطق “الحزم السياسي” إلى براغماتية الأمن

خلال الأشهر الماضية، طغى على الخطاب الفرنسي تجاه الجزائر طابع تصعيدي، خاصة في ما يتعلق بملف الهجرة واتفاقية 1968 المنظمة لوضع الجزائريين في فرنسا. روتايو، القادم من اليمين التقليدي والمرشح المحتمل لرئاسيات 2027، جعل من العلاقة مع الجزائر ساحة لإبراز “الصرامة”، في سياق داخلي فرنسي مشحون بالمزايدات السياسية.

لكن النتائج لم تكن في مستوى الخطاب. فالتصعيد لم يؤدِّ إلى مكاسب عملية، بل عمّق فجوة الثقة، وأدى إلى سحب السفراء وتجميد قنوات التواصل، ما انعكس سلباً على التعاون الأمني الذي ظل تاريخياً أحد أعمدة العلاقة الثنائية.

زيارة نونيز تعكس إدراكاً ضمنياً في باريس بأن إدارة العلاقة مع الجزائر لا يمكن أن تتم بمنطق الحملات الانتخابية. الرجل آتٍ من خلفية أمنية صِرفة، وسبق أن شغل مناصب عليا في أجهزة الأمن الداخلي، ما يجعله أقرب إلى مقاربة تقنية تركز على النتائج بدل الشعارات.

التعاون الأمني… القاسم المشترك

رغم التوترات السياسية، ظل التنسيق الأمني بين الجزائر وفرنسا عاملاً ثابتاً، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية واستقرار منطقة الساحل. فبالنسبة لفرنسا، يصعب تصور معادلة أمنية فعالة في جنوب المتوسط دون الجزائر، التي تملك خبرة ميدانية طويلة وحدوداً شاسعة مع بؤر التوتر في الساحل.

وفي المقابل، تدرك الجزائر أن التعاون الأمني مع باريس – وإن كان محكوماً بحسابات السيادة – يبقى عنصراً مهماً في إدارة التحديات العابرة للحدود.

من هنا، تبدو زيارة نونيز محاولة لإعادة تثبيت هذا “الخيط الرفيع” الذي يربط البلدين حتى في ذروة الأزمات.

عقدة الهجرة واتفاقية 1968

أحد أبرز نقاط الخلاف تمثل في الجدل حول اتفاقية 1968، التي كثيراً ما تُطرح في فرنسا باعتبارها تمنح الجزائريين امتيازات خاصة. غير أن القراءة القانونية تشير إلى أنها إطار تنظيمي للهجرة الثنائية أكثر مما هي امتياز استثنائي.

نونيز تجنب هذه المرة إعادة فتح هذا الملف علناً، في إشارة إلى أن التركيز سيكون على الجوانب العملية، لا الرمزية. وهو تحوّل يعكس فهماً بأن إثارة هذا الملف في كل أزمة لم تعد أداة ضغط فعالة، بل عامل توتير إضافي.

سيادة وندية… الخط الأحمر الجزائري

الخطاب الجزائري الرسمي شدد في أكثر من مناسبة على رفض “منطق الإملاءات”. وفي هذا السياق، فإن أي تقدم في العلاقة مرهون باحترام مبدأ الندية والتعامل مع الجزائر كشريك كامل السيادة.

زيارة نونيز، بعد تراجعه عن لغة الشروط المسبقة، توحي بأن باريس استوعبت أن سياسة الضغط العلني لم تحقق أهدافها، وأن الحفاظ على المصالح المشتركة يتطلب مرونة أكبر.

بين التهدئة والاختبار

هل تمثل الزيارة بداية انفراج دائم؟
الإجابة تبقى رهينة بما سيليها من خطوات عملية. فالعلاقات الجزائرية الفرنسية معقدة بطبيعتها، وتتداخل فيها ملفات الذاكرة، والهجرة، والطاقة، والساحل، والتموضع الإقليمي.

إذا نجح الطرفان في تحييد الملفات الخلافية الكبرى مؤقتاً لصالح تعاون قطاعي فعّال، فقد نشهد خفضاً تدريجياً لمنسوب التوتر. أما إذا عادت الحسابات السياسية الداخلية في فرنسا لتغليب لغة التصعيد، فإن أي مكاسب محتملة ستظل هشة.

في المحصلة، ما يفعله لوران نونيز لا يعكس فقط أسلوباً مختلفاً، بل يكشف أيضاً حدود المقاربة السابقة. فالعلاقة بين الجزائر وفرنسا أكبر من أن تُدار بمنطق تسجيل النقاط السياسية. إنها علاقة تشابك ديموغرافي واقتصادي وأمني، تجعل القطيعة مكلفة للطرفين، وتجعل الواقعية – لا الخطابة – هي الخيار الوحيد القابل للاستمرار. االمحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة الأنباء الفرنسية

  • تصريحات خبراء في العلاقات الدولية لوسائل إعلام عربية (16 فبراير 2026)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى