دولي

بين التصعيد والرسائل المزدوجة: طهران لا تخشى الحشد الأمريكي وتتمسك بالتخصيب

عراقجي يرفع سقف الخطاب… ويُبقي باب التفاوض مواربًا

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الحشد العسكري الأمريكي في الخليج “لا يُخيف” بلاده، مؤكدًا أن إيران “لا تسعى إلى الحرب”، لكنها في الوقت ذاته “لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم حتى لو فُرضت عليها”. تصريحات تحمل نبرة تحدٍ واضحة، لكنها لا تُغلق الباب أمام المسار الدبلوماسي الذي استؤنف مؤخرًا في مسقط.

التصريحات جاءت بعد جولة مباحثات غير مباشرة بين طهران وواشنطن في سلطنة عُمان، وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “جيدة جدًا”، فيما تحدث عراقجي عن “أجواء إيجابية للغاية”. غير أن الوزير الإيراني أبدى في الوقت نفسه “شكوكًا” بشأن جدية الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن العقوبات الجديدة والتحركات العسكرية تثير تساؤلات حول نوايا واشنطن.

حاملة طائرات ورسائل ردع

تزامنت تصريحات عراقجي مع زيارة مبعوثين أمريكيين لحاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” في بحر عمان، في خطوة فُهمت على نطاق واسع كرسالة ردع موجهة إلى طهران. الوجود البحري الأمريكي المكثف في المنطقة يعكس رغبة واشنطن في تعزيز الضغط العسكري بالتوازي مع المسار التفاوضي.

لكن طهران بدورها تعتمد خطاب “الردع المعاكس”، حيث تؤكد جاهزيتها للرد على أي هجوم، مع التشديد على أن برنامجها النووي “سلمي” وأن التخصيب حق سيادي غير قابل للتفاوض. هذا التمسك يُعدّ أحد أبرز خطوطها الحمراء في أي محادثات مقبلة.

مفاوضات تحت سقف التوتر

المفارقة أن التصعيد الخطابي يتزامن مع مؤشرات على رغبة متبادلة في مواصلة التفاوض. ترامب أعلن أن جولة جديدة ستُعقد “مطلع الأسبوع المقبل”، فيما أكد عراقجي أن الجانبين يعتقدان بضرورة استئناف المحادثات قريبًا، دون تحديد موعد رسمي.

هذا التوازي بين التصعيد العسكري والتفاوض السياسي يعكس نمطًا مألوفًا في العلاقة بين الطرفين: ضغط مقابل مرونة مشروطة. واشنطن تسعى إلى كبح البرنامج النووي الإيراني وإعادة ضبط قواعد الاشتباك الإقليمي، فيما تريد طهران اعترافًا بحقها في التخصيب ورفعًا ملموسًا للعقوبات.

البعد الإسرائيلي: عنصر ضغط إضافي

إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه لقاء ترامب في واشنطن لبحث الملف الإيراني يضيف بعدًا آخر للمشهد. إسرائيل تُعدّ من أكثر الأطراف تشددًا تجاه البرنامج النووي الإيراني، وقد مارست تاريخيًا ضغطًا على الإدارات الأمريكية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة.

هذا العامل قد يؤثر على هامش المناورة الأمريكي في أي تسوية محتملة، ويجعل المفاوضات أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا ترافقت مع تصعيد ميداني أو ضربات استباقية.

إلى أين تتجه الأزمة؟

المشهد الحالي يوحي بأن الطرفين يسيران على حافة معادلة دقيقة: لا حرب شاملة في الأفق القريب، لكن لا انفراج سريع أيضًا. إيران ترفع سقفها التفاوضي عبر خطاب الصمود والتمسك بالسيادة، والولايات المتحدة تستخدم أدوات الردع العسكري والعقوبات لانتزاع تنازلات.

السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار “الدبلوماسية تحت الضغط”، حيث تتقدم المفاوضات ببطء وسط رسائل قوة متبادلة. أما الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، فسيظل احتمالًا قائمًا لكنه مكلف لجميع الأطراف، في ظل بيئة إقليمية مشتعلة وحسابات دولية معقدة. المحرر ش ع


مصادر الخبر:

  • تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال منتدى ومؤتمر صحافي في طهران

  • تقارير وكالة فرانس برس

  • تغطية وكالة رويترز بشأن التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج

  • تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول نتائج مباحثات مسقط

  • مقابلة عراقجي مع قناة الجزيرة (منشورة عبر قناته الرسمية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى