
تشهد فرنسا تصاعدًا لافتًا في حدة التوتر السياسي، عقب مقتل الناشط اليميني المتطرف كونتان دورانك في مدينة ليون، خلال اشتباك مع عناصر من اليسار الراديكالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة مخاوف اتساع رقعة العنف بين التيارات المتشددة.
الواقعة، التي جاءت على هامش تجمع سياسي، أثارت موجة إدانات رسمية ودعوات حكومية عاجلة إلى ضبط الشارع ومواجهة التنظيمات المتطرفة، في سياق سياسي حساس تسبق فيه البلاد الانتخابات البلدية المقررة في مارس/آذار المقبل، فيما تلوح في الأفق الاستحقاقات الرئاسية لعام 2027.
مسيرة مشحونة وشعارات متطرفة
وشهدت ليون نهاية الأسبوع الماضي مسيرة تكريمية لدورانك، رفعت خلالها شعارات وُصفت بأنها عنصرية ومعادية للأجانب، وتخللتها تحيات نازية وهتافات استهدفت مهاجرين، خصوصًا من أصول مغاربية، ما زاد من حدة الجدل حول تنامي الخطاب المتطرف في الشارع الفرنسي.
الاشتباكات وقعت خلال فعالية مرتبطة بالنائبة اليسارية ريما حسن، المنتمية إلى حزب فرنسا الأبية، ما أضفى على الحادثة أبعادًا سياسية إضافية.
اجتماع في الإليزيه
أمام هذا التصعيد، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعًا في قصر الإليزيه، بحضور وزير الداخلية لوران نونيز ومسؤولين أمنيين، لتقييم الإجراءات المتخذة ضد الجماعات العنيفة وبحث سبل تعزيزها.
وأكد ماكرون إدانته للعنف السياسي “أياً كان مصدره”، سواء من اليمين المتطرف أو اليسار الراديكالي، داعيًا الأحزاب إلى “تنظيف صفوفها” من العناصر المتشددة، وضمان سير الحملات الانتخابية المقبلة بهدوء.
إجراءات حل جماعات متشددة
وأعلن وزير الداخلية إطلاق مسطرة حل عدة تنظيمات، من بينها جماعات تنشط في مدن مونبلييه وألبي وليون، على خلفية تورطها في أعمال عنف أو الاشتباه في إعادة تشكيل تنظيمات سبق حلها.
ويعاقب القانون الفرنسي على إعادة تشكيل جمعية محلولة بالسجن والغرامة، ما يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية محتملة ضد ناشطين متورطين في تلك الأنشطة.
ووفق معطيات نشرتها صحيفة لوفيغارو، فقد تم حل 24 منظمة متطرفة منذ عام 2017، في إطار سياسة تشددت تدريجيًا لمواجهة التهديدات الأمنية الداخلية.
سجال سياسي محتدم
في المقابل، اتهم رئيس حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا، الرئيس ماكرون بمحاولة “التنصل من مسؤوليته الأخلاقية” عن تصاعد العنف، مؤكدًا أن حزبه “لا صلة له بالتيارات العنيفة”، ومتوعدًا بحل “ميليشيات اليسار واليمين المتطرف” إذا وصل إلى الحكم.
أما عائلة كونتان دورانك، فأعلنت رفضها “الاستغلال السياسي” لمقتل ابنها، منددة بالشعارات العنصرية التي رُفعت خلال المسيرة التكريمية، ومؤكدة أن أي تكريم يجب أن يكون بعيدًا عن التوظيف الحزبي.
مخاوف على الاستحقاقات المقبلة
يتزامن هذا التصعيد مع اقتراب الانتخابات البلدية، ما يثير مخاوف من تأثير المناخ المشحون على نزاهة الحملات الانتخابية وسلامتها. ويرى مراقبون أن الحكومة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية الحريات السياسية من جهة، ومنع تحول الصراع الإيديولوجي إلى مواجهات عنيفة في الشارع من جهة أخرى.
وفي ظل تصاعد الخطاب المتشدد على جانبي الطيف السياسي، تبدو فرنسا أمام اختبار جديد لقدرتها على احتواء التطرف، والحفاظ على توازن ديمقراطي في مرحلة سياسية دقيقة. المحرر ش ع
المصادر:
-
فرانس24
-
لوفيغارو
-
رويترز



