
بين أواخر يناير/كانون الثاني ومطلع فبراير/شباط 2026، وثّق مزارعون في ريف القنيطرة جنوب سوريا تحليق طائرات إسرائيلية على علو منخفض فوق أراضٍ زراعية بمحاذاة خط الفصل في الجولان، قالوا إنها رشّت مواد كيميائية أدت إلى ذبول محاصيلهم خلال أيام. الصور ومقاطع الفيديو التي جمعها فريق “مراقبون” في فرانس 24 أظهرت بقعاً بيضاء خلف الطائرات، فيما أكدت شهادات محلية خسارة عشرات إلى مئات الهكتارات من القمح والمراعي.
ماذا حدث على الأرض؟
مزارعون من بلدتي الكدنة والرزانية قالوا إن الرش جرى في تواريخ متقاربة (25 و27 و30 يناير)، على امتداد ما يُعرف بـ“الخط ألفا” الفاصل في الجولان. أحدهم تحدث عن خسارة 75 هكتاراً من القمح، وآخر عن تضرر 80 هكتاراً وأشجار زيتون ولوز. بعد “نحو عشرة أيام”، وفق رواياتهم، اصفرّ الغطاء النباتي ثم ذبل.
وزارة الزراعة السورية أعلنت في 11 فبراير أن العينات لم تُظهر “تسمماً حاداً”، من دون تحديد المادة. مدير الزراعة في القنيطرة رجّح أن تكون المواد من نوعي “ديورون” و“2,4-DP”، وهما مبيدان عشبيان يُستخدمان عادةً لإزالة النباتات غير المرغوب فيها. لم يصدر رد رسمي مفصل من الجيش الإسرائيلي على استفسارات صحفية، لكن قناة إسرائيلية ذكرت في 2 فبراير أن عمليات الرش استهدفت مناطق قريبة من الحدود “لتدمير نباتات قد تُستخدم للاختباء”.
صور أقمار صناعية… مؤشرات تراجع الغطاء النباتي
تحليل صور بالأشعة تحت الحمراء من أقمار “سنتينال-2” التابعة لبرنامج كوبرنيكوس أظهر تراجعاً في كثافة الغطاء النباتي حول قرية الكدنة منذ 2025 واستمراره في مطلع 2026. الباحث هي يين من جامعة “كينت ستيت” أشار إلى أن مناطق كانت تبدو “حمراء قانية” (مؤشر حيوية نباتية مرتفع) في 2022 و2024، ظهرت شاحبة وبنية في 2025–2026، ما يدل على انخفاض الكثافة والحيوية.
سياق أمني وسياسي معقّد
تعود ترتيبات خط الفصل إلى اتفاق 1974 برعاية الأمم المتحدة. ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2024، تحدثت تقارير عن إنشاء إسرائيل نقاطاً عسكرية داخل المنطقة العازلة، خصوصاً في محيط جبل الشيخ. في هذا المناخ المتوتر، ترى إسرائيل أن إزالة الغطاء النباتي قرب الحدود قد تُدرج ضمن اعتبارات أمنية، بينما يعتبرها مزارعون وسلطات محلية انتهاكاً يهدد سبل عيشهم والبيئة.
اتهامات مماثلة طُرحت في جنوب لبنان وفي الضفة الغربية، حيث قال مزارعون في مسافر يطا إن أراضيهم رُشّت بمواد كيميائية مطلع فبراير، مع شكاوى قُدمت للجهات المعنية.
الأثر البيئي والاقتصادي
حتى إن لم تُظهر العينات “تسمماً حاداً”، فإن الرش المتكرر لمبيدات عشبية على مساحات واسعة قد يخلّف آثاراً على التربة والمياه الجوفية والتنوع الحيوي، فضلاً عن خسائر مباشرة في المحاصيل والأعلاف. تقديرات محلية تحدثت عن تضرر مئات الهكتارات من الحبوب وآلاف الهكتارات من المراعي، ما يضاعف أعباء الديون على مزارعين يعتمدون على موسم واحد لتعويض سنوات جفاف.
بين الروايات… والحاجة إلى شفافية
القضية تقف عند تقاطع الأمن والبيئة وحقوق المدنيين. من جهة، تطرح إسرائيل مبررات أمنية مرتبطة بالحدود. ومن جهة أخرى، يطالب متضررون بتحقيقات مستقلة ونشر نتائج تحاليل واضحة تحدد نوع المواد وكمياتها وتأثيرها، وتعويض الخسائر إن ثبت الضرر.
في منطقة تعيش على حافة التماس منذ عقود، قد يبدو رش مبيدات إجراءً تقنياً. لكنه على الأرض يتحول إلى مسألة بقاء: أرض تصفرّ، موسم يضيع، وثقة تتآكل. والحسم، في نهاية المطاف، يحتاج إلى شفافية علمية وآلية رقابة دولية توازن بين الاعتبارات الأمنية وحماية المدنيين والبيئة.المحرر ش ع
المصادر:
-
تقارير “مراقبون” في فرانس 24 (فبراير 2026)
-
تصريحات وزارة الزراعة السورية ومديرية زراعة القنيطرة
-
تقارير إعلامية إسرائيلية حول عمليات الرش قرب الحدود
-
تحليل صور أقمار صناعية (Sentinel-2 / كوبرنيكوس)



