
عاد الجدل حول استخدام الأسلحة الحارقة في النزاعات المسلحة إلى الواجهة، بعدما اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الجيش الإسرائيلي باستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض فوق مناطق سكنية في جنوب لبنان خلال شهر مارس/آذار الجاري. وتسلط هذه الاتهامات الضوء مجددا على التحديات القانونية والإنسانية المرتبطة باستخدام هذا النوع من الأسلحة في مناطق مأهولة بالسكان.
اتهامات تستند إلى أدلة ميدانية
بحسب التقرير الذي نشرته المنظمة الحقوقية، فإن قذائف تحتوي على الفوسفور الأبيض انفجرت في الجو فوق منازل في بلدة يحمور بجنوب لبنان في الثالث من مارس. وأكدت المنظمة أنها تحققت من عدة صور ومقاطع تظهر انتشار المادة الحارقة فوق المنطقة السكنية، إلى جانب تدخل فرق الدفاع المدني لإخماد حرائق اندلعت في المكان.
ويرى الباحث في شؤون لبنان لدى المنظمة، رمزي قيس، أن الفوسفور الأبيض يعد من أخطر المواد الحارقة المستخدمة في الحروب، إذ يمكن أن يتسبب في إصابات خطيرة أو مميتة بسبب قدرته على الاشتعال عند ملامسة الأكسجين واستمراره في الاحتراق حتى داخل الأنسجة البشرية.
نفي إسرائيلي وتضارب في الروايات
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا يملك معلومات تؤكد استخدام ذخائر تحتوي على الفوسفور الأبيض في لبنان، مشيرا إلى أنه لم يطلع على المواد المصورة التي استند إليها التقرير. ويعكس هذا الرد حالة التباين المعتادة بين تقارير المنظمات الحقوقية والروايات الرسمية في النزاعات المسلحة، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها ميدانيا.
كما لم يصدر تعليق رسمي من السلطات اللبنانية حول الحادثة، رغم تصاعد العمليات العسكرية في المناطق الحدودية.
تداعيات بيئية واقتصادية
تتجاوز آثار استخدام الفوسفور الأبيض البعد العسكري المباشر لتطال البيئة والاقتصاد المحلي. فقد أشار المجلس الوطني للبحث العلمي إلى أن الهجمات التي استخدم فيها هذا السلاح في جنوب لبنان منذ أكتوبر 2023 وحتى يوليو 2024 بلغت نحو 175 هجوما، ما أدى إلى اندلاع حرائق أثرت على أكثر من 1480 فدانا من الأراضي الزراعية.
هذه الأضرار تعني خسائر كبيرة للمزارعين في القرى الحدودية، وتزيد من صعوبة استئناف النشاط الزراعي في مناطق تعتمد بشكل أساسي على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
جدل قانوني مستمر
من الناحية القانونية، لا يُحظر الفوسفور الأبيض بشكل كامل في النزاعات المسلحة، إذ يمكن استخدامه في بعض الحالات لأغراض عسكرية مثل التمويه عبر الستائر الدخانية أو الإضاءة أو تحديد الأهداف. غير أن القانون الإنساني الدولي يقيّد استخدامه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمناطق المأهولة بالمدنيين.
ويصنف الفوسفور الأبيض ضمن الأسلحة الحارقة وفق البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية. لكن إسرائيل ليست طرفا في هذا البروتوكول، ما يثير جدلا حول مدى إلزامها بهذه القيود، رغم تأكيد خبراء القانون الدولي أن قواعد حماية المدنيين تظل سارية في جميع النزاعات.
تصعيد يهدد بتوسيع دائرة الانتقادات
تأتي هذه الاتهامات في ظل تصعيد عسكري واسع في جنوب لبنان خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يزيد من احتمالات تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل، خاصة إذا ظهرت أدلة إضافية تؤكد استخدام هذه الذخائر فوق مناطق مدنية.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الاتهامات قد يعيد فتح النقاش داخل المؤسسات الدولية حول قواعد استخدام الأسلحة الحارقة، وربما يدفع إلى مطالبات بفتح تحقيقات مستقلة في طبيعة العمليات العسكرية الجارية في المنطقة.
وفي ظل استمرار المواجهات، يبقى المدنيون في جنوب لبنان الأكثر تضررا من تداعيات هذا الصراع، سواء عبر الخسائر البشرية المباشرة أو عبر الأضرار البيئية والاقتصادية التي قد تستمر آثارها لسنوات.المحرر ش ع
المصادر:
-
هيومن رايتس ووتش
-
وكالة رويترز
-
المجلس الوطني للبحث العلمي
-
فرانس 24



