دولي

تصعيد متعدد الجبهات: إسرائيل تضرب بيروت وطهران وواشنطن تلوّح بـ«الموجة الكبرى»

في تطور ينذر بانزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربات متزامنة في كل من بيروت وطهران، مستهدفة ما وصفته بمواقع عسكرية إيرانية و«مراكز ثقل» تابعة لـحزب الله. وفي موازاة ذلك، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته، متحدثًا عن «موجة كبرى» من الهجمات لم تبدأ بعد، مع تحديد أهداف تشمل تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية وإنهاء طموحاتها النووية ووقف دعمها لجماعات مسلحة.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها كجولة عسكرية معزولة؛ بل كحلقة في مسار تصعيدي يتداخل فيه الردع المتبادل، وحسابات الداخل السياسي، ورسائل القوة العابرة للحدود.

1) من «حرب الظل» إلى المواجهة العلنية

لسنوات، اتسم الصراع الإسرائيلي–الإيراني بطابع غير مباشر: ضربات محدودة، عمليات استخباراتية، واستهدافات دقيقة عبر ساحات وسيطة. غير أن إعلان ضربات متزامنة في عاصمتين إقليميتين يمثل انتقالًا من «إدارة الاشتباك» إلى «استعراض الردع». استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت—بوصفها معقلًا رئيسيًا لحزب الله—يحمل رسالة مزدوجة: الضغط على الذراع الإقليمي لإيران، وإظهار القدرة على العمل تحت سقف المخاطر المدنية والسياسية.

في المقابل، توجيه ضربات إلى طهران يوسّع نطاق الاشتباك رمزيًا وعمليًا، ويضع القيادة الإيرانية أمام معادلة ردٍّ مباشر أو عبر الوكلاء. هذا التحول يرفع احتمالات سوء التقدير، خصوصًا مع تزايد الضغوط الشعبية والإعلامية داخل الأطراف المتحاربة.

2) حسابات واشنطن: بين الردع وتفادي الانجرار

تحذيرات واشنطن وإجلاء موظفين غير أساسيين من عدة دول في الشرق الأوسط يعكسان تقديرًا لمخاطر امتداد الصراع. لكن تصريحات ترامب حول «الموجة الكبرى» تكشف أيضًا رغبة في إعادة صياغة ميزان الردع، عبر توسيع بنك الأهداف ليشمل القدرات الصاروخية والبحرية والبنية النووية.

غير أن اتساع الأهداف يطرح سؤالين جوهريين:

  • قابلية التحقيق: هل يمكن شلّ منظومات صاروخية موزعة ومحصنة دون انخراط بري أو حملة طويلة الأمد؟

  • كلفة الرد: إلى أي مدى تستطيع واشنطن احتواء ردود غير متماثلة قد تطال حلفاءها أو طرق الملاحة والطاقة؟

التباين في الرسائل الصادرة عن الإدارة الأميركية منذ بدء العمليات يوحي بجدل داخلي بين من يدفع نحو توسيع الضربات ومن يحذر من حرب استنزاف إقليمية.

3) حزب الله كعامل ترجيح

يمثل حزب الله عقدة مركزية في المعادلة. فاستهداف «مراكز الثقل»—كما تصفها إسرائيل—يسعى إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة والقدرات الاستخباراتية. لكن الحزب يمتلك خبرة طويلة في امتصاص الضربات وإعادة التموضع. أي تصعيد كبير من جانبه قد يفتح جبهة شمالية واسعة، ما يضع إسرائيل أمام حرب متعددة الجبهات ويزيد الضغط على الجبهة الداخلية اللبنانية المنهكة أصلًا اقتصاديًا.

4) المخاطر الإقليمية: الطاقة والممرات البحرية

اتساع الاشتباك يهدد سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، خصوصًا إذا امتد إلى الممرات البحرية الحيوية أو البنى التحتية النفطية. كما أن استهداف حلفاء واشنطن في المنطقة—سواء عبر صواريخ أو طائرات مسيّرة—قد يدفع دولًا عربية إلى إعادة تموضع أمني، ويزيد من عسكرة المجال الإقليمي.

5) سيناريوهات المرحلة المقبلة

  • احتواء مضبوط: ضربات محدودة متبادلة مع قنوات خلفية لخفض التصعيد، بما يحفظ ماء الوجه للأطراف.

  • تصعيد متدرج: توسيع بنك الأهداف وتكثيف الهجمات عبر الوكلاء، مع مخاطر انزلاق غير مقصود.

  • مواجهة واسعة: انخراط مباشر أكبر للولايات المتحدة أو فتح جبهات متزامنة، بما يحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة.

في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف عند مفترق حساس: إما إعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة أكثر قسوة، أو الانزلاق إلى صراع مفتوح يصعب التحكم في مآلاته. عامل الوقت—وردود الفعل الأولى—سيكونان حاسمين في ترجيح أي من المسارات.  المحرر ش ع


المصادر:

  • شبكة CNN

  • بيانات الجيش الإسرائيلي (IDF)

  • تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب

  • وزارة الخارجية الأميركية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى