
لم تعد تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط محصورة في ساحات القتال أو أسواق الطاقة، بل بدأت تمتد إلى قطاعات اقتصادية حيوية في المنطقة، وعلى رأسها السياحة في دبي التي تعد أحد أهم المراكز السياحية في العالم.
فمع تصاعد الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بدأ السياح يتجنبون السفر إلى الخليج، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في النشاط السياحي وتهديد مباشر لآلاف الوظائف المرتبطة بهذا القطاع.
مدينة سياحية شبه فارغة
على امتداد شاطئ جميرا بيتش ريزيدنس، الذي يعد أحد أكثر المواقع السياحية ازدحامًا في دبي، تبدو الصورة مختلفة تمامًا هذه الأيام.
الكراسي المخصصة للاسترخاء أمام البحر خالية، والمطاعم المطلة على الشاطئ شبه مهجورة، بينما ينتظر الباعة والعاملون في الأنشطة السياحية وصول عدد قليل من الزوار.
ويقول أحد العاملين في تأجير الدراجات المائية إنه لم يشهد تراجعًا بهذا الحجم منذ سنوات عمله في المدينة، مؤكدًا أن الأيام تمر أحيانًا دون أي زبون.
كما توقفت عجلة عين دبي – أكبر عجلة دوارة في العالم – عن استقبال الحشود المعتادة، فيما تراجع الإقبال على متحف Madame Tussauds Dubai الذي كان يعد من أبرز المعالم الترفيهية في الإمارة.
الحرب تضرب موسم الذروة
جاء هذا التراجع في توقيت حساس للغاية بالنسبة لقطاع السياحة في دبي.
فالمدينة عادة ما تشهد ذروة الإقبال السياحي خلال الأشهر التي تسبق فصل الصيف، قبل أن ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير.
لكن اندلاع الحرب في نهاية فبراير، عقب الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، أدى إلى موجة من القلق العالمي بشأن الأمن في الخليج، خصوصًا بعد إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه عدة مدن في المنطقة.
وبينما لم تتعرض دبي لدمار واسع، فإن مجرد وجود تهديدات أمنية كان كافيًا لدفع شركات السياحة والمسافرين إلى إلغاء الرحلات أو تأجيلها.
اقتصاد يعتمد على السياحة
تعد السياحة أحد الأعمدة الأساسية لاقتصاد الإمارات، إذ ساهم القطاع بنحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025.
كما يوفر القطاع سبل العيش لنحو 925 ألف شخص، غالبيتهم من العمال الأجانب القادمين من آسيا والشرق الأوسط.
ووفق تقديرات World Travel & Tourism Council، فإن الخسائر الاقتصادية في قطاع السياحة في الشرق الأوسط بسبب الحرب تصل إلى نحو 600 مليون دولار يوميًا.
ويعتمد العديد من العاملين في القطاع على العمولات المرتبطة بالمبيعات والخدمات السياحية، ما يجعلهم أول المتضررين من أي تراجع في عدد الزوار.
العمال في مواجهة الأزمة
مع تراجع النشاط السياحي، بدأ كثير من العمال يواجهون صعوبات مالية متزايدة.
فالبعض لم يحصل على راتبه في موعده، فيما اضطر آخرون إلى الاقتراض لتغطية تكاليف المعيشة المرتفعة في دبي.
كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بشكل حاد بسبب اضطرابات النقل الجوي وارتفاع أسعار النفط، ما يجعل العودة إلى بلدانهم الأصلية خيارًا مكلفًا للغاية بالنسبة للعديد من العمال.
ويقول أحد العاملين في بيع العطور إن الخوف الأكبر بالنسبة له ليس الصواريخ، بل انهيار الدخل الذي يعتمد عليه للبقاء في المدينة.
فنادق تحاول إنقاذ الموسم
مع اقتراب عيد الفطر، بدأت فنادق دبي في خفض أسعارها بشكل ملحوظ لجذب السكان المحليين والمقيمين لتعويض جزء من خسائر السياحة الدولية.
وتضم الإمارة نحو 827 فندقًا، معظمها من فئة الفنادق الفاخرة، ما يجعل المنافسة على الزبائن أكثر حدة في ظل انخفاض الطلب.
كما تزايدت العروض الترويجية في جزيرة النخلة، حيث تعرض أحد الفنادق لأضرار بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة في بداية النزاع.
هل تتضرر صورة دبي عالميًا؟
لطالما قدمت دبي نفسها كـ”ملاذ آمن” في منطقة تعصف بها الاضطرابات السياسية.
لكن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يهدد هذه الصورة، خصوصًا إذا استمرت الهجمات الصاروخية أو توسعت رقعة الصراع في الخليج.
ويرى بعض خبراء السياحة أن التأثير قد يستمر عدة أشهر حتى بعد توقف الحرب، بسبب الوقت الذي يحتاجه المسافرون وشركات السياحة لاستعادة الثقة في الوجهة.
ومع ذلك، يعتقد آخرون أن دبي أثبتت قدرتها على التعافي من الأزمات الكبرى، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة COVID-19.
اختبار اقتصادي جديد
تشكل الأزمة الحالية اختبارًا حقيقيًا لاقتصاد دبي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات الخدمات والسياحة.
ففي حال استمرار الحرب لفترة طويلة، قد تواجه الإمارة تحديات تتعلق بتراجع الاستثمارات السياحية وتزايد الضغوط على سوق العمل.
لكن إذا انتهى الصراع سريعًا وعادت الاستقرار إلى المنطقة، فمن المرجح أن تستعيد دبي موقعها كواحدة من أكثر الوجهات السياحية جذبًا في العالم. المحرر ش ع
المصادر
-
France 24
-
Associated Press
-
World Travel & Tourism Council



