
يشهد الشرق الأوسط تصعيداً غير مسبوق مع استمرار الحرب بين إيران من جهة و**الولايات المتحدة** و**إسرائيل** من جهة أخرى، وهو صراع لم يعد محصوراً في الضربات العسكرية المباشرة، بل امتد ليطال أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.
ومع تصاعد المخاوف من أزمة طاقة عالمية، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حشد تحالف دولي لإعادة فتح المضيق وتأمين مرور ناقلات النفط والغاز. غير أن المهمة تبدو أكثر تعقيداً مما قد يبدو في الظاهر، إذ تواجه واشنطن مجموعة من التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تجعل إعادة فتح المضيق عملية محفوفة بالمخاطر.
شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يمثل مضيق هرمز نقطة العبور البحرية الأهم للطاقة في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج. ويشكّل المضيق المنفذ البحري الوحيد تقريباً لدول منتجة رئيسية مثل الكويت و**العراق** و**قطر** و**الإمارات العربية المتحدة**.
لذلك فإن أي تعطّل في الملاحة عبر هذا الممر الضيق ينعكس فوراً على الأسواق العالمية. وقد بدأت بالفعل أسعار النفط بالارتفاع إلى مستويات تذكّر بالأزمات النفطية الكبرى التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي.
كما أن المخاطر لا تتوقف عند الطاقة فقط، إذ تمر عبر المضيق أيضاً نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة العالمية، ما يثير مخاوف من تداعيات محتملة على الأمن الغذائي العالمي في حال استمرار الأزمة.
الجغرافيا التي تمنح إيران أفضلية
تعود إحدى أهم صعوبات تأمين المضيق إلى طبيعته الجغرافية. فممرات الملاحة داخله لا يتجاوز عرضها بضعة كيلومترات، ما يجبر السفن الضخمة على الإبحار ببطء وفي مسارات محددة.
هذا الواقع يمنح القوات الإيرانية القدرة على مراقبة حركة السفن واستهدافها بسهولة نسبية من السواحل أو من الجزر القريبة. كما أن التضاريس الجبلية للساحل الإيراني توفر مواقع مثالية لإخفاء منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
استراتيجية الحرب غير المتكافئة
تعتمد الحرس الثوري الإيراني منذ سنوات على تكتيكات عسكرية غير تقليدية في الخليج، وهي تكتيكات تهدف إلى تعويض التفوق العسكري الأمريكي بأساليب منخفضة التكلفة لكنها فعالة.
وتشمل هذه الوسائل:
-
الزوارق السريعة المسلحة
-
الغواصات الصغيرة
-
الألغام البحرية
-
الطائرات المسيّرة
-
زوارق مفخخة أو عمليات انتحارية ضد السفن
مثل هذه الأدوات قد تكون كافية لشل الملاحة أو جعلها شديدة الخطورة، حتى لو كانت القوات الأمريكية قادرة على تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية التقليدية لإيران.
معركة الألغام والطائرات المسيّرة
يخشى الخبراء العسكريون من أن تكون طهران قد زرعت ألغاماً بحرية في أجزاء من المضيق. إزالة هذه الألغام عملية معقدة تتطلب سفناً متخصصة وطائرات مسيّرة، وقد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر.
في الوقت نفسه، تواصل إيران تطوير برنامج واسع للطائرات المسيّرة، وهو ما يمنحها قدرة على شن هجمات متكررة على السفن أو القواعد العسكرية في المنطقة، حتى في ظل الرقابة الجوية الأمريكية.
التحالف الدولي الغائب
رغم دعوات ترامب لتشكيل تحالف دولي لتأمين المضيق، فإن الاستجابة الدولية لا تزال محدودة.
ففي الوقت الذي تبدي فيه المملكة المتحدة استعداداً لمناقشة خيارات عسكرية، أبدت دول أوروبية أخرى تحفظات واضحة. فقد أعلنت إسبانيا رفضها المشاركة في أي مهمة عسكرية في المضيق، فيما أبدت ألمانيا شكوكاً حول جدوى العمليات البحرية الحالية في المنطقة.
هذا الانقسام يعكس المخاوف الأوروبية من الانجرار إلى حرب أوسع في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل التداعيات الاقتصادية العالمية للصراع.
دروس البحر الأحمر
تجربة الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر خلال السنوات الماضية تعطي مثالاً واضحاً على صعوبة تأمين الممرات البحرية في زمن الحروب غير التقليدية.
فعلى الرغم من وجود تحالفات بحرية غربية كبيرة، نجحت جماعة الحوثي في تعطيل جزء كبير من حركة الشحن في المنطقة باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة أقل تطوراً بكثير من الترسانة الإيرانية.
وإذا كان من الصعب حماية الملاحة في البحر الأحمر، فإن المهمة تبدو أكثر تعقيداً في مضيق هرمز الذي يقع مباشرة على حدود إيران.
اقتصاد العالم على المحك
يخشى خبراء الاقتصاد من أن يؤدي استمرار تعطّل الملاحة في المضيق إلى صدمة طاقة عالمية.
فارتفاع أسعار النفط قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود جديد، خصوصاً في ظل استمرار آثار الأزمات الاقتصادية التي أعقبت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
كما أن استمرار الأزمة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها البحرية نحو طرق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا، ما يزيد من تكاليف النقل والتجارة الدولية.
أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات
في ظل هذه المعطيات، تبدو مهمة إعادة فتح مضيق هرمز أكثر تعقيداً من مجرد نشر سفن حربية إضافية في المنطقة. فالأمر يتعلق بصراع استراتيجي واسع بين قوة بحرية عالمية ودولة تمتلك أدوات فعالة للحرب غير المتكافئة.
وبينما يسعى دونالد ترامب إلى تأمين تدفق النفط من الخليج، تدرك طهران أن المضيق يمثل إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية في المواجهة الحالية.
ومع استمرار الحرب، يبقى السؤال الأكبر: هل يتمكن المجتمع الدولي من تأمين هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي، أم أن مضيق هرمز سيصبح ساحة مواجهة طويلة تهدد استقرار أسواق الطاقة لسنوات؟ المحرر ش ع
المصادر:
-
France 24
-
Associated Press
-
تقارير مراكز أبحاث أمنية وبحرية دولية.



