
انهيار أسعار الزيتون في الجزائر… إنتاج قياسي يقابله خسائر قياسية للفلاحين.
عرفت الجزائر هذا الموسم طفرة غير مسبوقة في إنتاج الزيتون، قدرتها مصادر فلاحية بنحو 1.2 مليون طن عبر مختلف ولايات الوطن، أي بزيادة تقدَّر بـ 35% مقارنة بموسم 2024. ورغم هذا الأداء القياسي، فإن الأسواق شهدت انهيارًا حادًا في الأسعار، ما جعل الوفرة تتحول إلى عبء ثقيل على آلاف المنتجين.
في 2024، تراوحت أسعار الزيتون بين 200 و280 دينارًا للكيلوغرام، وبلغ سعر لتر زيت الزيتون ما بين 1600 و1800 دينار.
أما هذا الموسم، فقد انخفض سعر الكيلوغرام إلى ما بين 50 و70 دينارًا فقط، وهو انهيار بنسبة تصل إلى 75%، بينما تراجع سعر لتر الزيت إلى حوالي 800 – 1000 دينار، أي انخفاض يقارب 40% مقارنة بـ2024.
وتشير تقديرات فلاحية إلى أن تكلفة جني قنطار واحد من الزيتون تتراوح بين 2500 و3500 دج، ما يعني أن البيع بهذه الأسعار يضع الفلاح مباشرة في خانة الخسارة.
شهادات من الميدان… الفلاحون يعيشون الصدمة
يقول الفلاح ط.ج من بلدية أولاد سلام، وهو أحد المنتجين المعروفين في المنطقة:
“إذا كان سعر بيع القنطار من الزيتون هذا الموسم يتراوح بين 5000 و6000 دينار فقط، بينما يكلفني العمال ما بين 3000 و4000 دينار للقنطار في الجني والجمع، فكيف يمكن أن نربح؟ هذا دون احتساب تكاليف السقي والاهتمام بالأشجار على مدار العام.”
ويضيف موضحًا حساباته حول الزيت:
“أما الزيت، فإذا كان سعر اللتر لا يتجاوز 800 دينار، والقنطار الواحد من الزيتون لا يعطي أكثر من 15 لترًا، ناهيك عن تكاليف النقل إلى المعصرة وتكاليف الجني والعصر… فأين هي الفائدة؟ في الحقيقة نحن نبيع بخسارة واضحة.”
ويختم محذرًا من العواقب:
“بهذه الأسعار، الفلاحون سيتوقفون عن الجني نهائيًا، أو سيتركون المحصول يفسد فوق الأشجار ليقتات منه الزرزور والزاوش. لقد أصبحنا أمام موسم لا معنى اقتصادي له إطلاقًا.”
من جانبه، يؤكد رئيس جمعية “آفاق بوحداف للفلاحة” أن الأزمة عميقة ومُتوقعة منذ بداية الموسم:
“نبهنا إلى فوضى السوق منذ بداية الموسم. الإنتاج ارتفع بـ35%، لكن غياب التنظيم جعل الأسعار تنهار بـ75%. هذا وضع غير منطقي اقتصاديًا.”
ويتابع:
“نطالب بإنشاء ديوان وطني للزيتون مثلما هو معمول به في الدول المتوسطية المنتجة للزيتون كمصر و المغرب و تركيا وإسبانيا وإيطاليا… لضبط الأسعار وشراء الفائض. استمرار هذا الوضع سيدفع الكثير من الفلاحين للتخلي عن الجني وربما عن النشاط كليًا.”
لو أن الدولة نظّمت الإنتاج… لكان المشهد مختلفًا
يتفق الخبراء على أن الأزمة الحالية كان يمكن تفاديها لو وضعت الدولة آليات واضحة لتنظيم الإنتاج والتسويق. فلو:
تم تحديد أسعار مرجعية مشجعة للفلاح،
وُضعت برامج لجمع المنتوج بكميات كبيرة،
ووجّه الفائض نحو التصدير، خصوصًا إلى الدول الإفريقية التي تعرف طلبًا متزايدًا على زيت الزيتون،
لكانت النتائج مختلفة تمامًا.

وتشير تقديرات مهنية إلى أن الجزائر قادرة على تصدير ما لا يقل عن 20 ألف طن من زيت الزيتون سنويًا نحو إفريقيا، وهو ما كان سيوفر مداخيل معتبرة ويحافظ على السعر الداخلي.
إن غياب التنظيم… الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج حيث تقدّر مصادر فلاحية أن نحو 60% من منتجي الزيتون يعتمدون على الوسطاء لبيع محصولهم، في ظل غياب مسالك توزيع رسمية. كما تشير الإحصاءات إلى أن 20% من الإنتاج يضيع سنويًا بسبب غياب وحدات العصر والتخزين الكافية.
الحاجة إلى ديوان وطني للزيتون
يرى المختصون أن إنشاء ديوان وطني للزيتون بات ضرورة ملحّة، ليقوم بـ:
شراء الفائض من الإنتاج، تحديد أسعار مرجعية، تنظيم التخزين الاستراتيجي، توجيه الإنتاج نحو التصدير، الحد من تحكم الوسطاء والسماسرة.
وبحسب تقديرات اقتصادية، فإن تنظيم القطاع قد يرفع عائداته إلى 50 مليار دينار سنويًا بدل الوضع الحالي الذي لا يتجاوز 20 مليارًا.
رغم الإنتاج القياسي، إلا أن الفلاحون يعيشون أسوأ موسم منذ عقد كامل، إذ تؤكد الحسابات أن متوسط خسارة الفلاح الواحد يصل بين 30% و40% من دخله السنوي.
إن قطاع الزيتون، الذي يمثل إحدى أهم الثروات الزراعية في الجزائر، يحتاج إلى إصلاحات عميقة قبل أن يفقد الفلاحون الثقة في مواصلة الإنتاج.
بقلم راشيد راحعي



