
بقلم الصحفي منير قوعيش
في خطوة تعكس حنكة الدبلوماسية الجزائرية وعمق رؤيتها في إدارة الملفات الدولية الحساسة، جاء موقف الجزائر خلال التصويت على مشروع القرار الأمريكي بخصوص غزة ليؤكد مرة أخرى أن العمل الهادئ والمتزن قد يكون أبلغ من الخطابات العالية.
أكدت مصادر دبلوماسية أن السفير عمار بن جامع، وبعد مشاورات معمقة مع بعثة الجزائر في الأمم المتحدة، وصل إلى قناعة بأن التصويت لصالح المشروع الأمريكي هو الخيار الأمثل في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تحيط بالملف.
وبينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت، أيدت 13 دولة القرار، ما جعل الجزائر حريصة على أن يكون موقفها متوازناً وفعالاً دون الدخول في صدام مباشر مع واشنطن قد ينعكس سلباً على دورها المستقبلي في الملف الفلسطيني.
تُدرك الجزائر أن الدبلوماسية ليست شعارات، بل موازنة بين المبادئ والمصالح. فتبني موقف تصادمي مع الولايات المتحدة كان سيعرضها لاحقاً لضغوط أو عقوبات دولية قد تحد من قدرتها على خدمة القضية الفلسطينية في المحافل الأممية. ولهذا اختارت التصويت الذكي بدل المواجهة.
ورغم أن مشروع القرار يُساهم في وقف القتال وحقن الدماء، إلا أنه يتضمن بنداً مثيراً للجدل يتعلق بـ نزع سلاح المقاومة، وهو ما يرى خبراء أنه غير قابل للتطبيق عملياً في ظل واقع الحرب والاحتلال.
تؤكد الجزائر أن ما يجري في غزة ليس حرباً تقليدية، بل إبادة جماعية تمارس ضد شعب أعزل، وأن هدفها الأول كان ولا يزال وقف آلة الدم وإعطاء مساحة للحل السياسي الإنساني.
كما أن امتناع الصين وروسيا عن التصويت يُفسّر من زاوية صراع الأقطاب والمصالح العالمية، وليس معياراً لقياس الدعم الفعلي للقضية.
رغم محاولات البعض التشكيك في الموقف الجزائري، إلا أن الحقائق على الأرض تؤكد أن الجزائر كانت ومازالت الدولة العربية الوحيدة التي واجهت العالم داخل مجلس الأمن دفاعاً عن غزة، بينما فضّل آخرون الصمت أو الاصطفاف وراء التطبيع.
موقف الجزائر الأخير ليس نهاية للقضية، بل محطة ضمن مسار طويل. والجزائر — بثقلها السياسي وتاريخها التحرري — تدرك أن خدمة غزة لا تكون بالشعارات، بل بالقرارات التي تضمن استمرار صوتها داخل مجلس الأمن.
تحيا الدبلوماسية الجزائرية… صوت الشعوب المقهورة داخل أقوى محافل العالم.



