دوليسياسة

دبلوماسية ما بعد المدرجات: هل تنجح زيارة سونكو في تهدئة توتر نهائي المغرب–السنغال؟

تحليل رياضي-سياسي

تأتي زيارة رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو إلى المغرب في توقيت بالغ الحساسية، يتجاوز أبعاده الاقتصادية والسياسية التقليدية، ليحمل في طياته اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على ترميم ما تصدّع بفعل أحد أكثر نهائيات كأس أمم أفريقيا توتراً في تاريخ المسابقة.

فعلى الرغم من أن الزيارة مبرمجة رسمياً في إطار انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا للشراكة بين الرباط ودكار، إلا أن ظلّ أحداث نهائي 18 كانون الثاني/يناير لا يزال مخيّماً على العلاقات الشعبية والرياضية بين البلدين، بعد اقتحام مئات المشجعين السنغاليين أرضية ملعب مولاي عبد الله، وما تلاه من اشتباكات وفوضى كادت تعصف بصورة البطولة.

كرة القدم تتجاوز الملعب

النهائي الذي انتهى بفوز السنغال بهدف نظيف بعد التمديد لم يكن مجرد مباراة حاسمة، بل تحوّل إلى مرآة لتراكمات نفسية وسياسية داخل كرة القدم الأفريقية. فقرارات تحكيمية مثيرة للجدل، واحتقان جماهيري غير مسبوق، واتهامات متبادلة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، كلها عوامل فجّرت توتراً تجاوز الإطار الرياضي البحت.

ويشير مراقبون إلى أن عدم صدور تهنئة رسمية من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) أو الاتحاد الدولي (فيفا) عقب التتويج، فتح الباب أمام تأويلات بشأن عقوبات محتملة أو تحفظات مؤسساتية، ما أبقى الملف مفتوحاً سياسياً وإعلامياً.

الشق القضائي… عقدة حساسة

يزيد من حساسية الزيارة وجود 18 مشجعاً سنغالياً أمام القضاء المغربي على خلفية أحداث الشغب، مع ترقب جلسة جديدة لمحاكمتهم نهاية الشهر. هذا الملف، وإن كان قضائياً في ظاهره، إلا أنه يحمل بعداً دبلوماسياً لا يمكن تجاهله، وقد يكون أحد الملفات غير المعلنة على جدول مباحثات سونكو في الرباط.

فنجاح الزيارة في تخفيف التوتر قد يمرّ، جزئياً، عبر إدارة هذا الملف بحكمة توازن بين سيادة القانون واعتبارات العلاقات الثنائية.

الروايات المتصارعة داخل أفريقيا

في مقابل الرواية المغربية التي تشدد على نجاح التنظيم واحتواء الفوضى، برزت في الإعلام السنغالي وبعض المنابر الأفريقية سرديات تتحدث عن «استهداف» و«مضايقات ممنهجة»، بل و«هيمنة مغربية» على كواليس الاتحاد الأفريقي.

ويرى عالم الاجتماع المغربي مهدي عليوة أن كرة القدم الأفريقية باتت فضاءً لتفريغ الغضب الاجتماعي والسياسي، حيث تتحول الجماهير إلى فاعل سياسي يحمّل المباريات أكثر مما تحتمل. وفي هذا المناخ، تصبح القرارات التحكيمية والتنظيمية مجرد وقود لسرديات أكبر، تتجاوز المستطيل الأخضر.

رسالة القصر… تهدئة محسوبة

في خضم هذا التوتر، اختار العاهل المغربي الملك محمد السادس خطاب التهدئة، مؤكداً أن ما حدث «لن ينال من التقارب التاريخي بين الشعوب الأفريقية»، في محاولة واضحة لعزل الحادث الرياضي عن المسار الاستراتيجي للعلاقات الثنائية.

هذا الموقف يعكس إدراكاً رسمياً بأن الخسارة، إن وُجدت، ليست تنظيمية بقدر ما هي رمزية، في قارة تتشابك فيها الرياضة بالسياسة والهوية والانتماء.

هل تُطوى الصفحة فعلاً؟

زيارة سونكو قد تمثل فرصة لإعادة ضبط البوصلة، ليس فقط بين المغرب والسنغال، بل داخل كرة القدم الأفريقية عموماً. غير أن طيّ الصفحة لا يبدو مرتبطاً بالمصافحات الرسمية وحدها، بل بقدرة المؤسسات الرياضية القارية على:

  • إعادة بناء الثقة في التحكيم،

  • ضمان الشفافية التنظيمية،

  • وفصل المنافسة الرياضية عن الحسابات السياسية.

من دون ذلك، ستظل النهائيات القادمة مهددة بأن تتحول من احتفالات كروية إلى ساحات تصفية رمزية لصراعات أعمق. المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)

  • تصريحات الاتحاد السنغالي لكرة القدم

  • تحليلات مجلة “تيل كيل”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى