دولي

من نيودلهي إلى بروكسل: اتفاق تاريخي يعيد رسم خريطة التجارة العالمية بين الهند وأوروبا

بعد أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات الشاقة، وقّعت الهند والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة، وُصفت بأنها من أضخم الاتفاقات التجارية في العالم، إذ تؤسس لمنطقة تبادل اقتصادي تضم ما يقارب ملياري نسمة، وتمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وجرى التوقيع في العاصمة الهندية نيودلهي بحضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، إلى جانب كبار مسؤولي التجارة من الجانبين.

وأكدت فون دير لاين أن الاتفاقية “تصنع التاريخ”، معتبرة أنها تفتح فصلاً جديداً في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، فيما وصفها مودي بأنها “الأهم عالمياً”، لما تحمله من فرص واسعة للتنمية وخلق الوظائف.


خفض الرسوم وفتح الأسواق

تنص الاتفاقية على خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من الصادرات الأوروبية إلى الهند، ما يتيح للاتحاد الأوروبي توفير ما يصل إلى 4 مليارات يورو سنوياً من الرسوم. وتشمل التخفيضات قطاعات حساسة مثل السيارات، والآلات الصناعية، والمشروبات الكحولية، والمنتجات الغذائية.

في المقابل، تراهن نيودلهي على تسهيل وصول منتجاتها وخدماتها إلى السوق الأوروبية، وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا اللازمة لتحديث اقتصادها المتسارع، في وقت تسعى فيه إلى خلق ملايين فرص العمل لسكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة.


تحليل: اتفاق اقتصادي بأبعاد جيوسياسية

لا يقتصر هذا الاتفاق على كونه خطوة تجارية بحتة، بل يحمل أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية واضحة. ففي ظل التوترات الدولية المتزايدة، والحرب التجارية بين القوى الكبرى، يسعى كل من الاتحاد الأوروبي والهند إلى تنويع شراكاتهما وتقليل الاعتماد على الصين، إضافة إلى تحصين سلاسل التوريد من الصدمات العالمية.

من جهة بروكسل، تمثل الهند سوقاً ضخمة ذات نمو اقتصادي قوي، بلغ أكثر من 8% في بعض الفترات، وتُعد شريكاً بديلاً في ظل تباطؤ الاقتصاد الصيني. أما نيودلهي، فترى في أوروبا شريكاً مستقراً يوفر التكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات طويلة الأمد، دون الشروط السياسية الثقيلة التي ترافق أحياناً الشراكات الدولية الأخرى.

ويكتسب الاتفاق وزناً إضافياً مع توقيع شراكة أمنية ودفاعية بالتوازي، ما يعكس توجهاً لبناء علاقة شاملة تتجاوز الاقتصاد إلى مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، في مواجهة عالم يشهد تصاعداً في عدم الاستقرار.

اقتصادياً، يتوقع خبراء أن يؤدي الاتفاق إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري خلال سنوات قليلة، بعدما بلغ في 2024 نحو 120 مليار يورو في السلع و60 مليار يورو في الخدمات. غير أن التطبيق العملي سيظل رهناً بقدرة الطرفين على تجاوز التحديات التنظيمية وحماية القطاعات الحساسة. المحرر ش ع


المصادر:

  • الجزيرة

  • وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)

  • رويترز

  • فايننشال تايمز

  • بيانات المفوضية الأوروبية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى