دولي

أزمة “واشنطن بوست”: تنحّي الرئيس التنفيذي بعد تسريح جماعي يفتح باب الأسئلة حول استقلالية الصحافة الأمريكية

خسائر مالية وضغوط سياسية في خلفية المشهد

أعلنت صحيفة “واشنطن بوست” تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام قليلة من بدء تنفيذ خطة واسعة لتسريح نحو 300 صحافي من أصل 800 موظف، في واحدة من أكبر موجات التقليص داخل مؤسسة إعلامية أمريكية عريقة خلال السنوات الأخيرة.

الخطوة جاءت في سياق أزمة مالية متفاقمة، إذ تكبدت الصحيفة خسائر قُدرت بنحو 100 مليون دولار خلال عام 2024، وفق تقارير إعلامية أمريكية. هذه الخسائر تعكس تراجعًا حادًا في الاشتراكات الرقمية والإعلانات، خاصة بعد مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض في ولايته الأولى، حين كانت الصحيفة قد استفادت من ارتفاع الاهتمام السياسي والإخباري.

تقاطع المال والسياسة

توقيت القرارات الإدارية أعاد إشعال الجدل حول العلاقة بين مالك الصحيفة جيف بيزوس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خصوصًا بعد امتناع الصحيفة في خريف 2024 عن نشر افتتاحية داعمة لكامالا هاريس، خلافًا لما درجت عليه في الانتخابات السابقة بدعم مرشحين ديمقراطيين.

هذا التحول اعتبره منتقدون مؤشرًا على محاولة تجنب صدام سياسي مباشر مع ترامب، خاصة في ظل عودته إلى البيت الأبيض وتصاعد هجماته المتكررة على وسائل الإعلام التقليدية. ورغم عدم وجود دليل مباشر على تدخل سياسي في قرارات التحرير، فإن تزامن التقارب بين بيزوس وترامب مع إجراءات تقشفية واسعة أثار تساؤلات حول حدود الاستقلال التحريري في المؤسسات الإعلامية المملوكة لرجال أعمال نافذين.

إعادة هيكلة أم انكماش استراتيجي؟

في رسالته إلى الموظفين، برر ويل لويس القرارات الصعبة بالحاجة إلى ضمان “مستقبل مستدام” للصحيفة. وتم الإعلان عن استبداله فورًا بالمدير المالي جيف دونوفريو، في خطوة تعكس أولوية المعالجة المالية في المرحلة المقبلة.

لكن اللافت أن التقليص لم يقتصر على أقسام هامشية، بل شمل مراسلين أجانب وأقسامًا كاملة، بينها تغطية الشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا، إضافة إلى الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية. هذا الانسحاب من ساحات دولية أساسية قد يعيد رسم هوية الصحيفة التي عُرفت تاريخيًا بتحقيقاتها الاستقصائية العابرة للحدود.

“واشنطن بوست”، الحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ 1936، والتي لعبت دورًا محوريًا في كشف فضيحة ووترغيت، تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: تقليص التكاليف دون المساس بجوهرها التحريري.

الإعلام الأمريكي في لحظة تحول

أزمة “واشنطن بوست” لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع في صناعة الإعلام. فالنموذج الاقتصادي القائم على الإعلانات الورقية انهار منذ سنوات، فيما تواجه الاشتراكات الرقمية منافسة حادة من المنصات المجانية وشبكات التواصل الاجتماعي.

كما أن الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة أعاد تشكيل علاقة الجمهور بوسائل الإعلام، حيث باتت الثقة مرتبطة بالانتماءات الحزبية أكثر من المعايير المهنية.

تنحي لويس قد يكون خطوة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكنه أيضًا يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تواجهها الصحافة التقليدية في أمريكا: أزمة تمويل، وأزمة ثقة، وأزمة هوية.

إلى أين تتجه “واشنطن بوست”؟

المؤسسة تقف اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تنجح الإدارة الجديدة في ابتكار نموذج اقتصادي مستدام يحافظ على ثقلها التحريري، أو تنزلق تدريجيًا نحو تقليص دورها الدولي وتأثيرها السياسي.

الرهان الحقيقي لن يكون ماليًا فقط، بل تحريريًا أيضًا: هل تستطيع الصحيفة الحفاظ على صورتها كمنبر مستقل في بيئة سياسية منقسمة، وتحت ملكية ملياردير له مصالح اقتصادية متشعبة وعلاقات مع دوائر الحكم؟

الإجابة ستتضح في الأشهر المقبلة، لكن المؤكد أن ما يحدث داخل “واشنطن بوست” يتجاوز مجرد تغيير إداري، ليعكس لحظة مفصلية في تاريخ الإعلام الأمريكي.  المحرر ش ع


مصادر الخبر:

  • بيان صحيفة “واشنطن بوست” بشأن تنحي ويل لويس

  • رسالة ويل لويس الداخلية إلى الموظفين (كُشف عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي)

  • تقارير صحيفة “وول ستريت جورنال” حول خسائر 2024

  • وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)

  • فوربس بشأن ثروة جيف بيزوس

  • تغطية فرانس24 للحدث

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى