دولي

أستراليا بين تضامن رسمي واحتجاج شعبي: زيارة هرتسوغ تكشف انقساماً داخلياً حاداً

تحولت زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا، التي كان يفترض أن تحمل طابع التضامن مع ضحايا هجوم شاطئ بونداي في ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى اختبار سياسي وأمني للحكومة الأسترالية، بعدما خرج الآلاف في عدة مدن للاحتجاج، واندلعت مواجهات في سيدني بين الشرطة ومتظاهرين مؤيدين للفلسطينيين.

الحدث لم يكن بروتوكولياً بقدر ما أصبح مرآة لانقسام داخلي أسترالي حول الحرب في غزة، وحدود حرية التعبير، ودور كانبيرا في الصراع.


زيارة تضامن أم زيارة مثيرة للجدل؟

جاء هرتسوغ بدعوة من رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، في سياق التعبير عن التضامن مع الجالية اليهودية بعد الهجوم الدموي الذي أودى بحياة 15 شخصاً خلال احتفال بعيد “الحانوكا” في بونداي.

الرئيس الإسرائيلي بدأ زيارته بوضع إكليل من الزهور في موقع الهجوم، مؤكداً أن الاعتداء “استهدف القيم الديمقراطية وقدسية الحياة وحرية الدين”.

لكن في المقابل، يرى محتجون أن الزيارة تتجاهل ما يحدث في غزة، ويتهمون هرتسوغ بـ”التواطؤ السياسي” في الحرب. هذا التباين في القراءة حوّل الزيارة من فعل تضامني إلى نقطة اشتباك رمزي.


مشاهد من الشارع: رذاذ الفلفل وصلاحيات استثنائية

في سيدني، استخدمت الشرطة رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين حاولوا تجاوز المسار المحدد للاحتجاج. كما فعّلت السلطات صلاحيات أمنية نادراً ما تُستخدم، شملت تقييد الحركة وتفتيش المركبات وتفريق الحشود.

السلطات بررت ذلك بالحفاظ على الأمن العام، خاصة في ظل حساسية الحدث، بينما اعتبر منظمو الاحتجاجات أن الإجراءات تمثل تضييقاً على الحق في التظاهر.

اللافت أن المعارضة لم تقتصر على جماعات مؤيدة للفلسطينيين، بل شملت أيضاً أصواتاً يهودية أسترالية انتقدت دعوة هرتسوغ، ووقّع أكثر من ألف أكاديمي وشخصية يهودية رسالة مفتوحة تطالب بإلغاء الزيارة.


أستراليا وصراع “تصدير النزاع”

رئيس الوزراء ألبانيزي دعا إلى “عدم نقل الصراع إلى الداخل الأسترالي”، في إشارة إلى المخاوف من تحول التوترات الشرق أوسطية إلى احتقان داخلي.

لكن الواقع يشير إلى أن المجتمع الأسترالي، كغيره من المجتمعات الغربية، يعيش انقساماً متزايداً منذ اندلاع الحرب في غزة:

  • اتهامات بتنامي معاداة السامية

  • مخاوف من تصاعد الإسلاموفوبيا

  • استقطاب سياسي وإعلامي حاد

زيارة هرتسوغ وضعت هذه التوترات في الواجهة دفعة واحدة.


البعد القانوني والدولي

بعض المجموعات الاحتجاجية طالبت باعتقال هرتسوغ والتحقيق معه استناداً إلى تقارير أممية تتهم إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة في غزة.
لكن الحكومة الأسترالية أكدت تمتع الرئيس الإسرائيلي بحصانة كاملة خلال الزيارة، وفق الأعراف الدبلوماسية.

هذا البعد يسلط الضوء على معضلة الدول الغربية:
كيف توفق بين التزاماتها القانونية الدولية، وتحالفاتها السياسية، وضغوط الرأي العام الداخلي؟


ماذا تعني هذه الاحتجاجات سياسياً؟

رغم أن الزيارة ذات طابع رمزي، إلا أن حجم الاحتجاجات يكشف أن:

  1. القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة بقوة في الرأي العام العالمي.

  2. الحرب في غزة أصبحت عاملاً مؤثراً في السياسات الداخلية لدول بعيدة جغرافياً عن الصراع.

  3. الحكومات الغربية تواجه تحدياً متزايداً في إدارة التوازن بين الأمن وحرية التعبير.

زيارة هرتسوغ إلى أستراليا لم تكن مجرد محطة تضامنية بعد هجوم إرهابي، بل تحولت إلى ساحة مواجهة رمزية بين روايتين:
رواية ترى في الزيارة دعماً لجالية متضررة،
وأخرى تعتبرها تجاهلاً لمعاناة الفلسطينيين.

المشهد الأسترالي يعكس اتجاهاً أوسع: الصراع في الشرق الأوسط لم يعد محصوراً في جغرافيته، بل بات يُعاد إنتاجه في شوارع العواصم الغربية، سياسياً وشعبياً. المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24

  • وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)

  • رويترز

  • تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي

  • بيانات الشرطة في نيو ساوث ويلز

  • رسالة المجلس اليهودي الأسترالي المفتوحة بشأن الزيارة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى