
دخلت العلاقات الصينية-اليابانية مرحلة جديدة من التوتر الحاد، عقب فوز رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بأغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية المبكرة، وما تبع ذلك من تحذير صيني شديد اللهجة توعّد طوكيو بـ«رد حازم» إذا تصرفت «بتهور» بشأن تايوان.
الرسائل المتبادلة لا تعكس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل تشير إلى تحوّل أعمق في معادلات الأمن الإقليمي بشرق آسيا.

تايوان… بؤرة الاشتعال الدائم
تايوان تمثل العقدة المركزية في التوتر بين بكين وطوكيو. الصين تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، ولا تستبعد استخدام القوة لإعادتها إلى سيادتها. في المقابل، ألمحت تاكايشي في نوفمبر الماضي إلى إمكانية تدخل اليابان عسكريًا في حال تعرّضت تايوان لهجوم صيني.
هذا التصريح لم يكن عابرًا. فهو يتجاوز الخطاب الياباني التقليدي الذي ظل لعقود ملتزمًا بنبرة حذرة بفعل الدستور السلمي الذي أُقر بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يقيّد قدرات البلاد العسكرية ويحصُرها في إطار الدفاع الذاتي.
لكن المشهد يتغير.
اليابان… من الدفاع إلى الردع
تحت قيادة تاكايشي، تمضي طوكيو في تعزيز قدراتها الدفاعية بوتيرة غير مسبوقة. فقد أقرت الحكومة ميزانية دفاعية قياسية بلغت نحو 57 مليار دولار، في خطوة تعكس توجهاً نحو إعادة تعريف دور اليابان الأمني في المنطقة.
هذا التحول يقرأه البعض باعتباره استجابة طبيعية لتصاعد التهديدات الإقليمية، سواء من الصين أو كوريا الشمالية. لكنه من منظور بكين يُنظر إليه كعودة تدريجية إلى «عسكرة» اليابان، وهو توصيف حساس للغاية في الذاكرة الصينية التي لا تزال تستحضر إرث الاحتلال الياباني خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
وهنا يكمن جوهر الإشكال:
التاريخ لم يُغلق صفحته بالكامل بين البلدين، بل يطفو كلما اشتد الخلاف السياسي.
الرد الصيني… تحذير استباقي أم ضغط سياسي؟
تحذير المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان لم يكن موجهاً فقط للحكومة اليابانية، بل أيضاً للداخل الصيني وللمجتمع الدولي. فبكين أرادت تثبيت عدة رسائل:
-
رفض أي تدخل خارجي في قضية تعتبرها «شأناً داخلياً».
-
تحميل «القوى اليمينية المتطرفة» في اليابان مسؤولية التصعيد.
-
التلويح برد دولي وليس صينياً فقط، في محاولة لعزل الخطاب الياباني.
كما أن ردود الصين السابقة — من تشديد القيود التجارية إلى المناورات العسكرية المشتركة مع روسيا — تؤكد أن أدوات الضغط لن تكون سياسية فقط، بل اقتصادية وعسكرية أيضًا.
مفارقة المصالح الاقتصادية
رغم هذا التصعيد، تبقى الصين الشريك التجاري الأكبر لليابان. العلاقات الاقتصادية بين البلدين عميقة ومتشابكة، وهو ما يجعل أي مواجهة مفتوحة مكلفة للطرفين.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ البعد الأمني يطغى على الاعتبارات الاقتصادية، خصوصًا مع تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، حيث تجد اليابان نفسها أقرب استراتيجيًا إلى واشنطن، ما يعقّد موقعها بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
هل نحن أمام اصطفاف جديد في شرق آسيا؟
الفوز الانتخابي القوي لتاكايشي يمنحها تفويضًا سياسيًا لتعزيز سياساتها الدفاعية. وفي المقابل، الصين لا تبدو مستعدة لقبول أي تغيير في ميزان الردع حول تايوان.
السيناريوهات المحتملة تتراوح بين:
-
استمرار التصعيد اللفظي مع ضبط عسكري محسوب.
-
زيادة سباق التسلح الإقليمي.
-
تصعيد محدود عبر المناورات والضغوط الاقتصادية.
-
أو — وهو السيناريو الأخطر — حادث عسكري غير مقصود قد يخرج عن السيطرة.
ومع أن تاكايشي أعلنت استعدادها للحوار، فإن الثقة المتبادلة تبدو في أدنى مستوياتها.
التوتر الحالي لا يتعلق فقط بتصريح انتخابي أو رد دبلوماسي، بل يعكس تحوّلاً هيكليًا في بيئة الأمن الآسيوي. اليابان تعيد تعريف دورها العسكري، والصين تسعى لتثبيت خطوطها الحمراء حول تايوان. وبينهما يقف تاريخ ثقيل ومنافسة جيوسياسية تتسع رقعتها.
شرق آسيا يدخل مرحلة اختبار حساسة، حيث يصبح أي سوء تقدير كافيًا لإشعال أزمة إقليمية واسعة. المحرر ش ع
المصادر
-
وكالة فرانس برس (AFP)
-
فرانس 24
-
تقارير وزارة الخارجية الصينية وتصريحات المتحدث لين جيان
-
بيانات الحكومة اليابانية حول الميزانية الدفاعية لعام 2026
-
تغطيات إعلامية حول الانتخابات التشريعية اليابانية المبكرة
-
تقارير تحليلية عن العلاقات الصينية-اليابانية وقضية تايوان



