
أعاد الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران طرح تساؤلات جدية حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية، بعدما حمل في طياته إشارات متناقضة بين التهدئة والتصعيد، ما فتح الباب أمام تأويلات تتجاوز مجرد الخطاب السياسي إلى احتمال وجود ارتباك أعمق في إدارة الحرب.
خطاب موجه للداخل أكثر من الخارج
يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف حسني عبيدي أن خطاب ترامب كان موجّهًا أساسًا إلى الداخل الأمريكي، في محاولة لطمأنة الرأي العام والأسواق، خاصة في ظل تأثير الحرب على أسعار النفط والتخوف من تداعيات اقتصادية مرتبطة بمضيق هرمز.
غير أن النتائج جاءت عكسية؛ فبدل تهدئة الأسواق، ساهمت تصريحات ترامب في زيادة القلق، خصوصًا بعد حديثه عن عدم اهتمام الولايات المتحدة بمضيق هرمز، وهو ما فُهم كإشارة إلى تراجع الالتزام الأمريكي بحماية المصالح الحيوية لحلفائها.
تناقضات تعكس غموض الاستراتيجية
يكشف تحليل الخطاب عن جملة من التناقضات اللافتة. فمن جهة، تراجع ترامب عن خطاب سابق كان يدعو إلى تغيير النظام الإيراني، ليؤكد لاحقًا أن بلاده لا تسعى إلى ذلك، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن “القضاء على شخصيات راديكالية” وظهور قيادات أكثر اعتدالًا.
هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية: إذا لم يكن تغيير النظام هدفًا، فما طبيعة التغيير المطلوب؟ وهل يمكن تحقيقه دون إسقاط البنية السياسية القائمة؟
كما برز تناقض آخر في ملف مضيق هرمز، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبرز أهداف الحرب، قبل أن يعلن ترامب أن بلاده “غير معنية به”، داعيًا دولًا أخرى إلى تحمل مسؤولية تأمينه.
مهلة زمنية… أم مؤشر على التعثر؟
من بين أكثر النقاط دلالة في الخطاب، طلب ترامب مهلة أسبوعين أو ثلاثة لإنهاء الحرب. هذه المهلة، وفق محللين، تعني ضمنيًا أن الأهداف المعلنة لم تتحقق بعد، إذ لا يُطلب الوقت الإضافي عادة إلا عند مواجهة صعوبات ميدانية أو سياسية.
هذا المعطى يعزز فرضية أن الخطاب لم يكن مجرد محاولة لطمأنة الأمريكيين، بل ربما محاولة لتبرير تعثر في تحقيق الأهداف.
غموض في “البنية الفكرية”
يشير عبيدي إلى أن صعوبة فهم خطاب ترامب لا تعود فقط إلى التناقضات، بل إلى غياب رؤية واضحة منذ بداية الحرب. فالأهداف لم تُحدد بدقة، ما أدى إلى تردد الحلفاء، خاصة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الانخراط الكامل في الصراع.
ويضيف أن هذا الغموض جعل الرئيس الأمريكي يناقض نفسه بين خطاب وآخر، بل داخل الخطاب نفسه، ما يعكس أزمة في صياغة استراتيجية متماسكة.
حرب بلا إجماع دولي
في خلفية هذا المشهد، يبرز عامل مهم يتمثل في ضعف الدعم الدولي. فالدول الغربية، رغم تحالفها مع واشنطن، أبدت تحفظًا على الانخراط في الحرب، خصوصًا في الملفات الحساسة مثل مضيق هرمز، ما زاد من عزلة القرار الأمريكي.
كما أن طهران نجحت في تقديم رواية مضادة، عبر التأكيد على أن عملياتها تدخل ضمن “الدفاع المشروع”، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد الإعلامي والسياسي.
هل هي مناورة أم ارتباك؟
رغم أن البعض يرى في هذه التناقضات تكتيكًا لكسب الوقت أو الضغط على الخصوم، إلا أن القراءة الأرجح، بحسب التحليل، تشير إلى أن ما يحدث يعكس ارتباكًا حقيقيًا أكثر من كونه خطة مدروسة.
فالخطاب، بدل أن يعزز صورة السيطرة، كشف عن صعوبة تسويق الحرب داخليًا وخارجيًا، وتراجع القدرة على إقناع الحلفاء والشعب الأمريكي بجدواها.
لا يمكن الجزم بشكل قاطع بأن خطاب ترامب يمثل اعترافًا بالفشل، لكنه بلا شك يكشف عن فجوة بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني. وبين محاولات التهدئة والتصعيد، يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تزال تبحث عن مخرج يوازن بين الحفاظ على صورتها وتجنب كلفة حرب مفتوحة. المحرر شريبط علي
المصادر:
- France 24
- مقابلة مع حسني عبيدي
- تحليلات سياسية وإعلامية



