دولي

الولايات المتحدة تبدأ العام بحرب مدمّرة ضد فنزويلا… عودة منطق القوة في عالم مضطرب

تستهلّ الولايات المتحدة عامها الجديد على إيقاع التصعيد والحرب، من خلال تهديدات مباشرة وغير مسبوقة ضد دولة فنزويلا، في خطوة تعكس عودة صريحة لمنطق الهيمنة والقوة العارية في السياسة الدولية. فالتصريحات المنسوبة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بشأن “اعتقال” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها إعلانًا سياسيًا خطيرًا يمهّد لجولة جديدة من الوقاحة والعنجهية الأمريكية تجاه دول العالم الثالث، وضربًا سافرًا لكل الأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي.
هذه اللغة، التي تضع رئيس دولة ذات سيادة في خانة “المطلوبين”، تكشف ذهنية استعمارية لم تعد تتوارى خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل باتت تتعامل مع الدول المناهضة للسياسات الأمريكية كأهداف مشروعة للابتزاز، والعقاب، وربما التدخل العسكري المباشر.
ما وراء النفط… أهداف أعمق من الثروات
ومخطئ من يعتقد أن الهدف من هذا التصعيد هو فقط احتياطي النفط الضخم الذي تمتلكه فنزويلا، رغم كونه الأكبر عالميًا، أو الحرب على تجارة المخدرات، التي لا تمثل فنزويلا فيها سوى نسبة ضئيلة جدًا لا تتجاوز واحدًا بالمائة من حجم التجارة العالمية، وفق تقارير دولية متخصصة.
فالنفط والمخدرات ليسا سوى شماعتين جاهزتين تُعلّق عليهما واشنطن تدخلاتها، بينما الهدف الحقيقي أعمق وأكثر خطورة: كسر إرادة الدول الرافضة للوصاية الأمريكية، وتطويع الأنظمة التي تخرج عن بيت الطاعة الجيوسياسي.
إنها سياسة العصا الغليظة، حيث يُستخدم الحصار الاقتصادي حينًا، والتجويع المالي حينًا آخر، وإذا لم يُجدِ ذلك نفعًا، تُفتح أبواب الصواريخ والطائرات الحربية تحت مسميات “حماية الديمقراطية” أو “استعادة الشرعية”.
فنزويلا… نموذج الدولة المتمرّدة
تُمثّل فنزويلا، بالنسبة للولايات المتحدة، نموذجًا مزعجًا لدولة تجرأت على اختيار مسار سيادي مستقل، ورفضت الخضوع للإملاءات السياسية والاقتصادية القادمة من واشنطن. لذلك لم تتوقف محاولات إسقاط نظامها، من دعم الانقلابات، إلى العقوبات الخانقة، إلى تشويه القيادة السياسية، وصولًا إلى التلويح بالتدخل العسكري المباشر.
وما يجري اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من استهداف الدول التي تحاول بناء خيارات بديلة خارج الهيمنة الأمريكية، سواء في أمريكا اللاتينية، أو إفريقيا، أو الشرق الأوسط.
عالم على أعتاب الفوضى
إن أخطر ما في هذا التصعيد، ليس فقط تهديد دولة بعينها، بل تكريس منطق دولي جديد قوامه شريعة الغاب، حيث القوي يفرض إرادته، والضعيف يُطالب بالصمت أو يُعاقب. وهو ما ينذر بدخول العالم مرحلة شديدة الاضطراب، عنوانها الفوضى، والغطرسة، والجنون السياسي.
فحين تتحول التصريحات العدائية إلى سياسة رسمية، وحين يُستباح القانون الدولي بهذه السهولة، فإن العالم بأسره يصبح مهددًا، وليس فنزويلا وحدها. إننا أمام مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ، حيث كانت الحروب تُشعل لأسباب أقل بكثير مما نراه اليوم.

ما يحدث اليوم تجاه فنزويلا هو رسالة تحذير لكل الدول التي تفكر في الخروج عن العباءة الأمريكية: إما الخضوع أو المواجهة. غير أن التاريخ أثبت أن إرادة الشعوب لا تُكسر بسهولة، وأن الإمبراطوريات، مهما بلغت قوتها، تسقط حين تُفرط في الغطرسة.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يتجه العالم نحو نظام دولي أكثر عدالة وتوازنًا، أم أننا مقبلون على عصر جديد من الحروب العبثية التي لا رابح فيها سوى تجار السلاح والفوضى؟
بقلم الصحفي:منور عبدالقادر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى