دولي

غرينلاند بين القانون والتهديد: هل يستخدم ترامب اتفاق 1951 كورقة ضغط أم مدخل للهيمنة؟

قراءة سياسية – استراتيجية

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملف غرينلاند إلى واجهة الجدل الدولي، مستخدمًا لغة غير مسبوقة توحي بأن السيطرة على الجزيرة ليست خيارًا نظريًا، بل أولوية استراتيجية في صلب عقيدته الأمنية. غير أن السؤال الجوهري لا يتمثل في نوايا ترامب بحد ذاتها، بل في الأدوات التي قد يلجأ إليها، وعلى رأسها اتفاق الدفاع المبرم عام 1951 بين واشنطن وكوبنهاغن.

اتفاق 1951: نفوذ عسكري بلا سيادة

الاتفاق الدفاعي الموقع في خضم الحرب الباردة منح الولايات المتحدة حرية عسكرية واسعة في غرينلاند، شملت إنشاء قواعد ونشر قوات واستخدام المجال الجغرافي للجزيرة ضمن منظومة الدفاع الغربي. لكنه، من الناحية القانونية، لا يمنح واشنطن أي حق سيادي أو مبرر لضم الإقليم، الذي بقي – ولا يزال – تحت السيادة الدانماركية مع حكم ذاتي موسّع لسكانه.

وعليه، فإن أي محاولة لتأويل الاتفاق كغطاء قانوني للضم ستُعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي ولن تلقى قبولًا داخل الناتو ولا حتى في المؤسسات الأمريكية نفسها.

لماذا يلوّح ترامب بالقوة؟

وفق قراءات أمنية، فإن تهديدات ترامب لا تندرج ضمن نية فعلية لشن عمل عسكري، بقدر ما تشكّل تكتيك ضغط تفاوضي. فالرئيس الأمريكي يدرك أن أي استخدام للقوة ضد غرينلاند سيعني:

  • صدامًا مباشرًا مع دولة عضو في الناتو

  • تقويض مبدأ الدفاع المشترك

  • إضعاف القيادة الأمريكية للحلف الأطلسي

  • فتح الباب أمام روسيا والصين لاستثمار الانقسام الغربي

من هذا المنطلق، تبدو تصريحات ترامب أقرب إلى ابتزاز جيوسياسي ناعم: التلويح بالقوة لفرض واقع تفاوضي جديد، لا لتغييره بالقوة.

غرينلاند… عقدة القطب الشمالي

الأهمية الحقيقية لغرينلاند لا تكمن في مساحتها الشاسعة أو عدد سكانها المحدود، بل في موقعها الاستراتيجي عند مفترق الطرق بين:

  • شمال الأطلسي

  • القطب الشمالي

  • أوروبا وأمريكا الشمالية

وتحوّلت الجزيرة في السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز مركزية في سباق النفوذ بالقطب الشمالي، خاصة مع:

  • تصاعد النشاط العسكري الروسي

  • التمدد الصيني الصامت في البنى التحتية والموارد

  • سباق المعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية

الموارد… الحلم الاقتصادي لترامب

اقتصاديًا، تمثل غرينلاند كنزًا استراتيجيًا غير مستغل: معادن نادرة، احتياطات نفط وغاز محتملة، ومواد أساسية للتحول الطاقوي. وهو ما يفسر شغف ترامب بالجزيرة منذ ولايته الأولى، ضمن رؤيته لبناء مخزون استراتيجي أمريكي مستقل في مواجهة الصين.

لكن هذا الطموح يصطدم برفض قاطع من:

  • الحكومة الدانماركية

  • النخب السياسية المحلية

  • غالبية سكان غرينلاند أنفسهم

سيناريوهات محتملة

أمام هذا التعقيد، تبرز ثلاثة مسارات رئيسية:

  1. تصعيد لفظي دون فعل: استمرار التهديدات كورقة ضغط إعلامية.

  2. مساومة اقتصادية–أمنية: عروض استثمار وامتيازات لسكان الجزيرة مقابل نفوذ أوسع.

  3. تراجع تكتيكي: ضبط الخطاب تحت ضغط الحلفاء والمؤسسات الأمريكية.

أما خيار الضم القسري، فيبقى السيناريو الأضعف، لما يحمله من كلفة استراتيجية تفوق أي مكسب محتمل.

اتفاق 1951 ليس بوابة قانونية لضم غرينلاند، بل حدود نفوذ عسكري داخل منظومة الناتو. وما يفعله ترامب اليوم هو اختبار هذه الحدود، لا كسرها. وبين طموح السيطرة ومخاطر العزلة، تبدو غرينلاند ساحة صراع رمزي بين منطق القوة ومنطق التحالفات. المحرر ش ع


المصادر:

  • فرانس24 (الحوار والتحليل)

  • تصريحات دونالد ترامب

  • اتفاق الدفاع الأمريكي–الدانماركي (1951)

  • دراسات المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

  • تقارير حول القطب الشمالي والموارد الاستراتيجية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى